حين خرج نيمار محمولاً لتهوّر زونيغا الأرعن، كان البرازيليون يحتفلون بعبور شارف على الحصول. وإذ هم في عين عاصفة من الفرح، عصف بهم فتاهم الذهبي حزناً على غير عادته: نجم برشلونة خارج كأس العالم.
نبأ نزل وقعه كالصاعقة وبات هو الحدث، لا تأهل الـ”سيليساو” فإذ بالابتسامات تنحسر والوجوه تتبدّل لا بل تكفهر ولسان الحال: أي أمل للبرازيل أمام ألمانيا بغياب نيمار بعد سيلفا.
“بكيت طويلاً” قالت لنا الشابة البرازيلية ألكسندرا سيموش (21 عاماً) الطالبة في كلية الإعلام وقد تحدثنا إليها في أحد المقاهي جالسة تتسامر وصديقتها ملتحفتين علم بلادهما، وأضافت: “نيمار نجمنا الأول، بالنسبة إلينا هو الأفضل ونحن نخشى على المنتخب من دونه. آمالنا باتت ضعيفة أمام ألمانيا”.
عاطفة جياشة من هذا القبيل لم نكن لنلمسها منذ نحو الشهر. وقتها كانت المعارضات السلمية بعد أخرى تخريبية مشاغبة، تلف البرازيل؛ إضرابات ورفض لكأس العالم وهتافات ضد صنّاع القرار والمسؤولين وإشادات بمنتخبات أخرى، كل ذلك والكرة لم تدر بعد.
الشابة البرازيلية المنصهرة قلباً وقالباً مع منتخب بلادها كانت قبل أشهر تشارك الجموع وجعهم في الشارع: “نزلت عدة مرات وهتفت: مع مواطني، نحن نحمل الهمّ ذاته ومستقبلنا واحد، من الطبيعي أن أنزل الشارع حين يلزم الأمر”.
لكن وفي غفلة المباريات وبطولة من أجمل ما سيذكر أرشيف، كان الشارع البرازيلي ينسحب تدريجياً من معارضة مطلقة لتنظيم المونديال إلى أخرى جزئية ميزت بين الحكومة وأحد عشر لاعباً يشعلون بلداً كلما نزلوا أرض الملعب. مشهد عايناه أثناء مباراة كولومبيا: مقاه وساحات مكتظة وشوارع تكاد تخلو من سيارة، العصب البرازيلي شدّ أزره.
منذ نحو العام لم يفلح تراكم انتصارات البرازيل في تحقيق إجماع شعبي، أما اليوم تبدّل الحال. بطولة العالم ليست أي حدث آخر إنّها تاريخ البرازيل بذاته بل هي حكاية عشق ووله، تعود دائماً لتطفو مهما عكرت صفوها السياسة.
لا يفسد في الود قضية، ولا يضاهي حب الـ”سيليساو” حب، إنّه الجنون البرازيلي وشعبه الطيّب يحدثانك دوماً بلغة العاطفة: “نحن أبطال العالم خمس مرات، منتخبنا هو حياتنا وتاريخنا. نريد الفوز بكأس العالم والاحتفال بالمنتخب” كلام سمعناه من الشاب البرازيلي أليكس مورايش (26 عاماً) وقد استوقفناه مع مجموعة من أصحابه وطبعاً ككل أترابه العلم البرازيلي على أكتافهم.
رأي هذا المواطن وتقبّل الناس للمونديال -على وقع انتصارات فيليباو- تلمسه ودّاً محلياً في بلد اللا عنصرية أينما حللت، جنسيات وأعراق مختلفة تصادفك جموعاً وأفراداً. زكزكات هنا وهناك وهتافات لمنتخب وأخرى مضادة وأغان واحتفالات، وأهل البلد يتفاعلون مع ضيوفهم بكل محبة. المنتخب غيّر المزاج. أهلاً بكأس عالم: نجمة سادسة وحدت الأمّة.
الفوز من دون إقناع: ذلك هو الأسلوب الذي حجز به المنتخب الألماني بطاقته إلى الدور نصف النهائي للنسخة العشرين من نهائيات كأس العالم لكرة القدم في البرازيل على حساب فرنسا (1-0) الجمعة في الدور ربع النهائي، بفضل صفاته الدفاعية وواقعيته.
الماكنات
هل كانت بداية البطولة والفوز الكبير على البرتغال (4-0) مجرد وهم؟ فمنذ ذلك المهرجان الهجومي على رفاق كريستيانو رونالدو، و”ناسيونال مانشافت” يعاني الأمرين في مبارياته: تعادل مثير أمام غانا 2-2، وثلاثة انتصارات بشق النفس على الولايات المتحدة الأميركية 1-0، والجزائر 2-1 بعد التمديد، وفرنسا 1-0.
مشوار شبيه شيئاً ما بمشوار البرازيل التي ستواجهها ألمانيا في دور الأربعة الثلاثاء المقبل في بيلو هوريزونتي، بما أن أصحاب الضيافة احتاجوا إلى ركلات الترجيح لتخطي عقبة تشيلي في دور الثمن النهائي، وإلى فوز صعب على كولومبيا (2-1) وبلوغ دور المربع الذهبي.حجزت ألمانيا بطاقتها للمرة الرابعة على التوالي إلى دور الأربعة، ولكن الطريقة مختلفة مقارنة مع النسختين الأخيرتين اللتين تميزتا بالمد الهجومي لرجال يورغن كلينسمان ومساعده وخليفته يواكيم لوف.وأكد لوف أن “أسلوب اللعب تغير كثيراً منذ عام 2006، لم يعد لدينا نفس اللاعبين، كانت هناك تغييرات اضطرارية من أجل تطوير أسلوب المنتخب. من المهم ضم لاعبين جدد، لدينا لاعبين من الطراز الرفيع ولذلك أعتقد بأنه بإمكاننا الذهاب بعيداً”.
الشجاعة
باختصار: انتهى الـ”جوغو بونيتو” (اللعب الجميل) وترك مكانه للعب “الشجاع”، وهو ما استشهد به لوف لوصف القتالية التي لعب بها لاعبو منتخب بلاده.وبحسب لوف “عليك أن تقاتل للوصول إلى أبعد دور في المونديال، ويجب أن تسيطر على خط الوسط وتثق في (مانويل) نوير، الذي أظهر مرة أخرى أنه كان بين أفضل حراس المرمى في العالم”. فبعد تدخلاته الحاسمة خارج المنطقة في المباراة أمام الجزائر في الدور ثمن النهائي، تألق مجدداً وهذه المرة داخل المنطقة وأمام مرماه في المباراة أمام فرنسا حيث صد كرات صعبة عدة.
كانت السيطرة ألمانية بفضل قتالية لاعبي خط الوسط، حيث تفوق الثلاثي (سامي) خضيرة-(باستيان) شفاينشتايغر-(طوني) كروس على نظيره (يوهان) كاباي- (بليز) ماتويدي-(بول) بوغبا.وأكد قائد وحارس مرمى المنتخب الفرنسي هوغو لوريس أن الألمان “أظهروا المزيد من السيطرة، وشعرنا بأنهم هادئون حتى في الأوقات الصعبة”. ملاحظة كانت بارزة في صفوف “ناسيونال مانشافت” الذين لم يفرطوا أبداً في الثقة وبدا دائماً أنهم عاجزون عن حسم نتيجة المباراة.وقال ماتويدي “المنتخب المنافس فرض سيطرة كبيرة في وسط الملعب، إنه منتخب يملك فنيات قوية جداً”، مضيفاً “كانت لديهم سيطرة كبيرة ولكنهم لم يخلقوا فرصاً كثيرة، في الشوط الأول لم أر لوريس يقوم بأي تدخل”.
الخبرة
كانت المشكلة الألمانية واضحة في الثلث الأخير من الملعب وتحديداً الخط الهجومي من خلال معاناة المخضرم ميروسلاف كلوزه (36 عاماً) وخفتان بريق مسعود أوزيل، وذلك بسبب غياب الدعم من الظهيرين بينديكت هوفيديس وفيليب لام، والحذر الشديد من جانب باستيان شفاينشتايغر وسامي خضيرة اللذين يميلان إلى استرجاع الكرة أكثر من بناء الهجمات.وتدين ألمانيا بشكل كبير إلى الأداء الرائع لمدافعها ماتس هوملس الذي سجل هدف الفوز ونجح في الحد من خطورة كريم بنزيمة. كما أن “النجاح” الذي تطرق إليه مدرب فرنسا ديدييه ديشان، والقليل من الحظ، كان بين العناصر التي ساهمت في بلوغ المانشافت المربع الذهبي.بلوغ المربع الذهبي للمرة الثالثة على التوالي بالنسبة للجيل الحالي للمنتخب الألماني (بعد مونديال 2010 في جنوب أفريقيا وكأس أوروبا 2012)، يعدّ إنجازاً. وكانت “الخبرة” هي التبرير الذي تحجج به المعسكر الفرنسي لتفسير الفارق “غير الكبير” الذي كان يفصل بين المنتخبين. وقال ديشان “الخبرة تساعد في المباريات من هذا القبيل، المباريات الصعبة جداً”.وختم هوملس بقوله: “لم نقدم مباراة مثالية، ولكننا كنا واقعيين وجديين”. الواقعية والجدية هي السلاح لإحراز اللقب.
ارتكاب الاخطاء
ارتكب لاعبو البرازيل 31 خطأ ضد لاعبي كولومبيا واستفاد الفريق من تسامح الحكم إلى حد كبير ليفوز 2-1 ويبلغ الدور قبل النهائي لنهائيات كأس العالم لكرة. ووقف الحكم الاسباني كارلوس فيلاسكو كاربايو شاهدا على أخطاء لاعبي البرازيل ضد كولومبيا التي أمتعت العالم خلال مشوارها في البطولة وقدمت كرة هجومية جميلة.وانتظر فيلاسكو 41 خطأ قبل أن يخرج البطاقة الصفراء لأول مرة وحدث ذلك في الشوط الثاني ومنح تساهله الفرصة للاعبي البرازيل بارتكاب العديد من الأخطاء لإيقاف هجوم كولومبيا في وسط الملعب.
رودريغيز والجراد الاصفر
تعرض الكولومبي جيمس رودريغيز هداف البطولة لسلسلة من الأخطاء من لاعبي البرازيل في محاولة لإيقاف خطورته وبدا وكأن هناك سياسة تناوب بين لاعبي أصحاب الأرض على ارتكاب الخطأ ضده. والمثير أن رودريغيز نفسه كان من ضمن أربعة لاعبين تلقوا بطاقة صفراء في المباراة التي شهدت ارتكاب 54 خطأ.وكان جوليو سيزار حارس مرمى البرازيل محظوظا في عدم تعرضه للطرد بعدما ارتكب خطأ ضد المنفرد كارلوس باكا وأسفر عن ركلة جزاء نفذها رودريغيز بنجاح في الدقيقة 80.وفي بعض الأحيان بدت المباراة وكأنها مواجهة خشنة في كأس ليبرتادوريس التي تشتهر بأعمال العنف والشغب والالتحامات القوية. ورغم أن البرازيل بدأت اللعب بخشونة فإن كولومبيا سارت على خطى أصحاب الأرض وكان نيمار هو الضحية بعدما تعرض لإصابة في فقرات الظهر وأعلن طبيب البرازيل غيابه عن باقي مباريات المسابقة.
بكاء نيمار
وخرج نيمار محمولا على محفة قرب نهاية المباراة ونقل إلى المستشفي وهو يبكي بعدما تعرض لضربة في ظهره من ركبة كاميلو زونيغا مدافع كولومبيا الذي لم يعاقب ولم يحصل حتى على بطاقة صفراء.وجاء أداء البرازيل بهذه الطريقة ليحل بعض المشاكل التي عانى منها الفريق في دور الستة عشر عندما تعرض المدرب لويز فيليبي سكولاري لانتقادات لظهور لاعبيه بشكل مهتز أمام تشيلي.واشتهر سكولاري على مدار سنوات من العمل مع الأندية البرازيلية بمطالبة لاعبيه بالاستعانة ببعض الأساليب غير التقليدية من أجل التفوق على المنافس.وخلال وجود سكولاري في كروزيرو أعلن المدرب أن متوسط أخطاء لاعبيه ضد المنافس في المباراة الواحدة يبلغ 25 خطأ لكنه قال إن هذا من أقل معدلات الأخطاء في الدوري البرازيلي في ذلك الوقت.





