دراسة نقدية يوسف عبود جويعد
رواية “حينما يبتسم الكبرياء” للروائي كاظم السعيدي، من الروايات التي تنتمي إلى الواقعية الرومانسية، حيث عمد المؤلف إلى أن يضعنا وسط عالم من الحب والغرام والعلاقة العاطفية، دون أن يؤثر في هذا السياق من السرد أي نمط آخر من أنماط فن صناعة الرواية. ومن الوهلة الأولى نكون مع الأستاذ نافع، الرجل الستيني القادم من العراق إلى دولة سوريا، مدينة جرمانة، هاربا من ضيق الحياة والمضايقات التي دفعته إلى السفر، ونتعرف على تفاصيل مهمة عن شخصيته، فهو هادئ الطباع، ميسور الحال، مثقف، يميل إلى كتابة القصة، يحمل حسا عاطفيا طافحا بالحنان والمحبة، وما إن اقتربت منه نهاوند، وهي نادلة تعمل في الكافتيريا، حتى أحس بهاجس غريب يجتاح كيانه، فهي جميلة جدا وناعمة، ولها جاذبية غريبة، ولم تكتف نهاوند بتلبية طلباته، بل جلست بقربه، كنوع من أنواع الضيافة المتبعة في هذا المكان.
وهكذا نجد أن عنصري الرواية قد اكتملا منذ الوهلة الأولى من الأحداث، مما يؤكد أن دورة الأحداث ستأتي لاحقا. غلبت اللغة السردية على مسيرة حركة الأحداث، لغة سردية أجدها مركبة بين اللغة السردية للحكاية واللغة الإنشائية المصطنعة المفتعلة التي تكون متعالية عن الفضاء السردي الذي يحتاج إلى لغة تنسجم وشحنة الأحداث الملتهبة بالعاطفة والحب، والتي بالإمكان أن يستغلها المؤلف لحركة السرد، في التعمق والتبئير لكشف لغة عاطفية تقترب من الشعر، وبالإمكان أن تطعم هذه اللغة باللهجة العراقية المحلية، وكذلك باللهجة السورية، فتكون الأحداث أمضى وأعمق وأصدق.
وتبدأ خيوط هذه العلاقة العاطفية بشكل منتظم، كون الأستاذ نافع يتعمق في تفاصيل حياة نهاوند، ويعرف عنها أمورا مهمة خدمته في الاقتراب منها، كونها تعيش ضائقة مالية خانقة، لأن أباها رجل كبير ومريض، وأمها ربة بيت، ويسكنون شقة للإيجار، لم يتمكنوا من تسديد إيجارها الشهري، وأنها تطمح إلى إكمال دراستها الجامعية، إلا أن هذه الظروف أجبرتها على العمل. يرق الأستاذ نافع لحالتها المادية المزرية، ويعيلها بالوقوف معها وتسديد جميع ديونها، لأنه وجدها صادقة، وقد اطلع على واقع حياتها:
“– ما شاء الله، عمرك الثقافي بقدر سنين عمري مرتين.. عندها أسمعتني أغرودتها، فما كان مني إلا أن أشاركها مجاملا إياها… ثم انتبهت لي، أنا أنظر إلى ساعتي، معاودا النظر إلى النافذة… بين آونة وأخرى.. كان الليل يسبح في حوض النجوم المتلألئة وسط السماء، ليتزود بضياء يزيح به ظلمته، حيث شارفت الساعة على العاشرة ليلا..” (ص 14)
ثم نتابع تطور الأحداث بعد انتقالنا من التعريف إلى الحبكة، فسرعان ما تتلقى نهاوند اتصالا هاتفيا بنقل والدها إلى المستشفى إثر إصابته بوعكة صحية خطرة، فتسرع تاركة كل شيء خلفها، بينما يكتشف الأستاذ نافع هذا الأمر، فيذهب هو الآخر إلى المستشفى، وبعد أن يرى والد نهاوند وحالته المربكة، يتحدث معه، ويطلب من نهاوند أن تذهب إلى البيت لترتاح، ويبقى لفترات طويلة معه، إلا أن كل المحاولات باءت بالفشل، وفارق الوالد الحياة، وتحمل الأستاذ نافع كل النفقات المالية التي تخص دفن الجثة وإقامة مراسم العزاء، ثم يزداد اهتمامه بهذه الأسرة، ليكون المعيل لها، ويطلب من نهاوند أن تواصل دراستها، ويتحمل كل مصاريف الدراسة.
وفي انتقالة تحسب لصالح الروائي، في تطور أدواته السردية وإمكانيته لتقديم نصوص سردية حديثة، حيث يوكل مهمة سرد الأحداث لنهاوند، لتقدم لنا تفاصيل عن حياتها الجامعية وعلاقتها العاطفية مع زميلها سامر، الذي يقوم هو الآخر بتولي مهمة سرد الأحداث، وبهذا تكون الرواية (بوليفونية) متعددة الأصوات:
“لذا أعجب بي زميلي في الصف، اسمه سامر، وتحول هذا الإعجاب إلى حب شديد من طرف واحد، بحيث أثر على حياته الدراسية، حيث كل سنة عند توزيع النتائج النهائية يخفق سامر بدرس أو درسين، كنت أنا السبب بتأخره الدراسي وأنا لا أعلم بذلك.” (ص 73)
ونكتشف أن هذه العلاقة تعود من جديد بعودة نهاوند إلى الدراسة، ويحاول سامر، ومن خلال أخته، وهي صديقة نهاوند، أن يؤثر عليها ويقنعها بالاقتراب من سامر وحتى الزواج منه، إلا أن نهاوند، وأمام هذه الحيرة التي أصابتها، بين فضل وأخلاق وحب الأستاذ نافع، وفضله الكبير في استمرار الحياة لأسرتها، وبين إعادة علاقتها بشاب من سنها ميسور الحال، ظل هذا الصراع يرافقها، حتى عند التقائها بسامر، الذي حدثته عن حكايتها مع الأستاذ نافع وما قدمه لها من حب وحنان وعاطفة ومساعدات مالية كبيرة.
وظل هذا الصراع قائما، إلى اختفاء الأستاذ نافع وعودته إلى بلده العراق، حيث يقترب سامر من الأسرة ويساهم في حل أزماتهم المالية، ويساعد نهاوند في دراستها، وبعد أن تيقنت نهاوند أن عودة الأستاذ نافع إليها باتت شبه مستحيلة، قررت الاقتران بسامر.
وعند إقامة مراسم الفرح، ووسط هذا الجو البهيج، يعود نافع إلى مدينة جرمانة، ويحضر الفرح، وتصاب نهاوند بإحراج شديد، إلا أنه يطمئنها:
“توجه نحوها قائلا: كنت أعلم أنه لا توجد لغة مشتركة بيننا مهما طال أمد المشاعر والأحاسيس، مبارك لكما.” (ص 120)
رواية “حينما يبتسم الكبرياء” للروائي كاظم السعيدي، واحدة من الروايات العاطفية الرومانسية الشمولية، والتي يتابع معها القارئ حكاية الحب فقط دون أي تأثير آخر.
من إصدارات دار قناديل للنشر والتوزيع – بغداد – شارع المتنبي لعام 2026.









