ثقافة شعبية

بغداد وقد انتصف الليل فيها”.. يوميات طالبة تونسية ببغداد وارد بدر السالم

يتفق نقاد الأدب ومؤرخوه والمتابعون على سلسلة اعتراضات مبدئية، مصطلحية في الأغلب، تقضي بأنّ السيرة الذاتية هي لون من ألوان السرد الروائي وليست رواية بالمعنى النقدي السائد، كونها تشكّل جنسًا أدبيًا مستقلًا، يتفرّد بمميزات لا تشبه مميّزات الرواية من الناحيتين الشكلية والفنية. وفي العادة تُلقى تبعة هذه الاعتراضات على أهل التخصّص من النقاد الأدبيين والمنظّرين له، بوصفهم الأكثر إدراكًا لنوع الجنس الأدبي وصلاحيته في المكوث الزمني وطبيعته الشخصية التي تستند على وقائع وأحداث معلومة. وطبيعي أن مثل هذه الاعتراضات؛ وهي ليست فكرية؛ تلمّح إلى ضرورة الفصل بين جنس وآخر وعدم الخلط بينهما. فكل جنس أدبي له مدخلاته ومخرجاته، فنًا وشكلًا وموضوعًا وتقنية إبداعية. ودائمًا توضع السيرة الذاتية في أحياز المذكرات واليوميات والتدوينات الملاصقة لها واقعيًا، من رحلات وذكريات واعترافات مباشرة أو غير مباشرة، تشي بالتجربة الفردية في مساراتها الحياتية واقعيًا، عبر فردانية التجربة وبيوغرافيتها الشخصية. وما تمرّ فيه من أحداث ووقائع، مؤطّرة سياسيًا أو اجتماعيًا او كلاهما. ولأجل أن تتميّز مثل هذه السير عن غيرها من السرديات، فإنها تقوم على واقعية الأحداث وتاريخيتها، بينما السرد الروائي يقوم على مخياله الفني، حتى لو كان لصيق الواقع ومنه يهيّئ موضوعاته ومضامينه. لذلك فهو الأكثر صلة بالخيال، بينما السير الذاتية هي الأكثر صلة بالأرض، أي بالواقع. ومن هذا التفريق الأولي لا تُعدّ السيرة الذاتية رواية بمعيارية الفن والخيال وحسب. وهذا رأي نقدي فني كثيرًا ما نقرأه.
السيرة الروائية والرواية السيرية
لكن ما هي “السيرة الروائية” لو أبعدنا النص السّيَري عن الوصف المتاح للسيرة الذاتية الواقعية التي تقع في باب الذكريات أو المذكرات وخاناتها في التصنيف النقدي. وهذا التساؤل الطبيعي هو ما حفّزنا على مراجعة كتاب “بغداد وقد انتصف الليل فيها” للأديبة التونسية حياة الرايس (“دار ميّارة للنشر والتوزيع، تونس 2018 – 4 طبعات ما بين تونس والقاهرة وبغداد) بوصفه إنتاجًا أدبيًا يقع في خانتَي السيرة الذاتية – الروائية بشكل واضح. وبالطبع سيكون باب الاجتهاد هو ما يقرّره التلقّي العام، سواء أكان هذا الكتاب سيرة ذاتية بصوتٍ واحد – هو صوت الكاتبة، أم سيرة مدينة عبر الصوت المنفرد للكاتبة التي عاشت في المكان (بغداد) بعض السنوات. ورأت تدوين “مشاهداتها” اليومية بشكل تلقائي من طرف واحد، من دون أن يكون للأصوات الأخرى حضور كبير، سوى من هوامش تحكّم بها صوت الراوية الذي قاد هذا الكتاب إلى أن يكون سيرة ذاتية، لكن من باب السرد الروائي، لما فيه من استرجاعات، وضمائر متحركة، ووصف، وحوارات، ومكوّنات سردية أخرى أسهمت في وضع السياق – السيري ضمن سياق سردي، لا تغفل عنها سرديات الرواية في العادة. ولكن ربما قد تغفل عنها السرديات السيرية الشخصية إلى حدّ كبير. وربما هذه الميزة أسبغت على الكتاب متعة أدبية في إنشاء جو خاص لطالبة جامعية، وجدت ذاتها مختلطة مع ذوات عربية في الحرم الجامعي أو القسم الداخلي، في مكان أسطوري – تاريخي له قداسة الماضي وألمعيته؛ مثلما مكّنها من أن تعيش الحياة الثقافية العراقية عبر بوابة مجلة ألف باء. ومن ثم تلتقي بأدباء كبار مثل الراحلين مدني صالح وجبرا ابراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف. ومع كل هذا الانفتاح الذي وجدته طالبة تونسية في بغداد ذات المرجعية الثقافية والفكرية والأدبية، سنجد أن محدّدات ذلك الهم الثقافي، قد افترعته السياسة الحزبية ذات الإطار الواحد، بل وشوّهته أيضًا، بما يشي أن الحالة العراقية الثقافية كانت ذات صوت واحد. والحياة الطلابية كانت على مقاس حزبي لا يمكن أن يكون غيره. والحياة الاجتماعية المنفتحة بكل بهائها السبعيني، كانت على قياس سيرة حزبية بفصال محدّد لا يزيد ولا ينقص. وهو ما أشارت اليه الكاتبة في أكثر من فقرة وموقف، سواء في القسم الداخلي للطالبات أو في الجامعة أو في أي مكان في تدوين هذه السيرة المتسلسلة بين الحاضر- الطلابي والماضي الشخصي التونسي، بطريقة الاسترجاع والتذكر. لتستمر هذه السيرة بالطريقة الروائية تحت سيطرة واضحة على اللغة.
ولكن هذا يقودنا إلى تساؤل آخر: ما هي ” الرواية السيرية” وما هي فصاحتها النقدية لو اعتمدناها في الحاضنة النقدية، بناءً على المعطى الهامشي الذي وضعته الكاتبة كعنوان (توضيحي) آخر واعتمدناه كمدخل نقدي؟ فهل كانت حياة الرايس تدفع عنها (شبهة الرواية) بما فيها من “ثوابت” نقدية درج السلف السردي الصالح على كونها من مميزات السرد، حتى وإن تجاوزته سرديات ما بعد الحداثة، وعدّت الرواية ذات مناخ متغير بسردها المعرفي والمفاهيمي الأكثر تطورًا مما نجده في المرويات السابقة؟ سيبدو مثل هذا الاحتمال غير متكامل كثيرًا، فالكاتبة ذات تجربة فنية قادرة على أن تكتب رواية بسمات فنية ناجحة، من دون التبرير بأن تضع (إشارة توضيحية) مسبقة كعتبة دخول إلى المتن العام. والدليل هو “بغداد وقد انتصف الليل فيها” بمميزاتها السردية الفنية التي توافرت على الكثير من مكونات السرد الروائي من تداعيات وحوارات، وضبط وصفي، ومحاكاة الآخر، واسترجاعات متنية، وهوامش ساندة، سوى من أنها تجربة (شخصية) وضعت فيها الرايس يومياتها الجامعية بأسماء أمكنتها الحقيقية ومشاهد متعددة للحياة البغدادية، من جوانبها السياسية والاجتماعية والثقافية العامة.
غير أن ميوعة المصطلحات في كثير من الأحيان وعدم ثباتها النقدي، تبيح للكاتب أن يقدم رؤيته الفنية عبرها من دون الاحتفاظ بصيرورة المصطلح ونقديته، وربما هذا لا يشفع كثيرًا أمام ما هو قار في التوصيفات النقدية التي اعتدناها عقودًا طويلة. لهذا – كما أجد- وضعت الرايس هذه الفاصلة التوضيحية، ليكون التلقي العام على تماس معين مع “يوميات” طالبة جامعية، خاضعة لشروط المكان ووتيرته وطقسه وملابساته السياسية أيضًا. وبالتالي فإن مفهوم الرواية السيرية، في خلاصة هذه التدوينة الرايسية، هو امتزاج نوعين من السرد هما: السيرة الفردية في مكان معلوم بظرفه السياسي والتاريخي والأسطوري. والتقنيات الروائية التي اعتمدتها الكاتبة، لتبعد مؤلّفَها عن رتابة الذكريات والاستذكارات التي استحوذ عليها الصوت الفردي وقادها إلى ما هي عليه. وربما قد نصل إلى أن هذا الكتاب هو رواية بالمعنى التقليدي لكنه مُحوّر إلى سيرة ذاتية، حاولت فيه الرايس أن تكون أمينة في نقل تلك السيرة، ومن ثم التنويع على المكان بوصفه الحاضنة، بكل ما فيه من عيوب سياسية لم تتنكر لها الكاتبة، بل أوضحت منها الكثير في تلك الحقبة المريرة التي كان الغريب يفاجَأ في كثير من الأحيان بقسوتها وصرامتها، على غير الانطباع النفسي التاريخي الأسطوري الذي يحيط المكان به. ولنا في التاريخ السردي السيري نماذج عربية وغربية كثيرة، خرجت من الشخصي إلى العام واستقلت بذاتها معْلمًا أدبيًا ناضجًا.

سيرة طالبة تونسية
“بغداد وقد انتصف الليل فيها” سيرة شخصية لطالبة تونسية قضت سنواتها الجامعية في إحدى جامعات بغداد تدرس الفلسفة، قبل الحرب. وحياة الرايس هي الطالبة التي عاشت بعض السنوات في أحد الأقسام الداخلية بمنطقة “الوزيرية” ووجدت في بغداد الكثير من الرؤى والمشاهد، من تلك التي لا تغفل عنها عين الغريب الذي رسم قبل مجيئه صورة مكبّرة للمدينة، تاريخيًا في الأقل. فبغداد مدينة مكتظة بالتاريخ القديم والحديث، لا سيما في عصرها العباسي الذي بلغ ذروته في العلم والمعرفة والآداب والفنون والمعرفة العامة. ولم تكن الرايس بمنأى عن ذلك التاريخ المتداخل بعلومه ومعارفه، لكنها قرّرت أن تعيش الحاضر بكل ما فيه من مزاوجة قسرية أو طبيعية، لبيان نقاط الافتراق عن الماضي، بوصفها (تؤرّخ) أيضًا لعصر آخر تحت يافطة “ميثاق السيرة الذاتية” بتعبير فيليب لوجون. وهذا الميثاق الذي أعدّته سرديًا، كان في ظاهره خطًا مستقيمًا، بناء على معطيات الماضي الزاهية، غير أنه يتعرّج كثيرًا مع اليوميات. فالحاضر “الحزبي” المعبّأ بالممنوعات ساهم في خلق فجوة كبيرة في وجهة النظر الواحدة. لتتعدّد فيما بعد، وتكشف الكثير من أخطاء الماضي السياسية في أكثر من زاوية رصد ميدانية. حتى مع ظلال الشخصيات النسائية المتناوبة في الأقسام الداخلية أو داخل الجامعة، فإنه يمكن رصد الكثير من المحظورات الاجتماعية والنفسية التي شوّشت العلاقة بين بغداد وبين الآخر، لتكشف فترة حرجة من عمر العراق. تلك الفترة القاسية التي قادت فيما بعد إلى الحرب. فكان الخطاب السردي بعمومه هو البحث عن مخرجات آمنة لتوطين الحسّ الإنساني مع المكان، بعيدًا عن الهيمنة الذكورية – السياسية، ووصولًا إلى يوميات انطباعية بما فيها الاجتماعي ومن ثم الثقافي، لكشف هوية المكان في سبعينيات القرن الماضي قبل أن تخلط الحرب أوراقه كلها. وبالتالي التخلّي الكبير عن المتخيّل لصالح الواقعي المحض الذي وجدت الرايس ذاتها منغمرة في أجزائه اليومية، التي تصلح كفقرات أرشيفية لسنوات عصيبة، تمازج فيها السياسي الفردي بالحزبي المقرف، لذلك نصف هذه السيرة بأنها كانت ضامنة للصوت الواحد، الذي يرى أجزاء الأجزاء عبر المكان وزواياها المختلفة بين الحرم الجامعي والقسم الداخلي، والحال الثقافية التي كانت ميسورة إلى حد ما، ولو أنها مقنّنة حزبيًا في تلك الفترة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان