الإفتتاحية

النفط مقابل الولاية

فالح حسون الدراجي

    كلنا يتذكر برنامج النفط مقابل الغذاء، الصادر عام 1995 بموجب قرار مجلس الأمن المرقم 986، والذي يسمح للعراق بتصدير جزء محدد من نفطه، ليستفيد من عائداته في شراء الإحتياجات الإنسانية لشعبه، تحت اشراف الأمم المتحدة.. لكن هذا البرنامج أكتنفته قضايا فساد واسعة تفوق في حجمها قضايا فساد أخرى كانت قد نالت شهرة دولية من قبل. ولعل من التهم التي وجهت لهذا البرنامج أن جزءا من مبالغه كان يستعمل لشراء النفوذ داخل أروقة الأمم المتحدة، فتبعاً لتقرير لجنة فولكر الذي نشر في 3/ 2/ 2005م والذي يشير الى أن الكثير من المواد الغذائية التي تم شراؤها عبر برنامج النفط مقابل الغذاء إنما هو “غير صالح للاستهلاك البشري. اضافة الى ما جاء في كتاب صدر حديثاً (لبيترفان والسوم) رئيس لجنة العقوبات الدولية على العراق (1999 – 2000م) الذي يعتقد فيه أن نظام صدام قام بشق صفوف مجلس الأمن عبر إعطائه عقودا تجارية لمندوبي روسيا والصين وفرنسا،

أما التهم الموجهة لنظام صدام نفسه فتشير الى أن عائدات برنامج النفط مقابل الغذاء كانت تذهب عبر طرق غير قانونية الى جيوب رموز النظام الصدامي البائد ، حيث أقرَّ أحد المسؤولين الماليين في السلطة السابقة بأن صدام استغل هذا البرنامج من أجل بيع النفط للجهات التي تؤيده تعزيزاً  لسلطته، فطلب أن يكون سعر بيع النفط منخفضا إلى أقل حد ممكن لتتمكن هذه الجهات من تحقيق أرباح كبيرة. وقد كانت هذه العملية تعرف في أروقة الشركة الوطنية لتسويق النفط باسم جهاز الرشوة الصدامية. حيث اعترف طه ياسين رمضان بأن هذه الأموال كانت “مكافآت على التأييد”. علماً أن وسائل إعلام عراقية ودولية قد نشرت  قائمة فضائحية بأسماء شخصيات وشركات ورجال اعلام متهمين باستلام عقود لبيع نفط عبر برنامج النفط مقابل الغذاء، سميت بإسم كوبونات النفط..

إذن..! فإن مضمون هذا البرنامج كان يتحدد بخيار أممي واحد: أما أن نعطيكم ايها العراقيون الغذاء والدواء مقابل النفط.. أو لا غذاء لكم عندنا ولا  دواء!!

 هذه المقايضة اللئيمة، وهذا الأسلوب (الشايلوكي) اليهودي البغيض، الذي كان قد مارسه ( تجار الأمم المتحدة) ضد العراق قبل أقل من عشرين عاماً، والذي إستثمره  صدام وزبانيته آنذاك أسوأ إستثمار، فكان الجميع رابحاً فيه إلاَّ الشعب العراقي، يعاد اليوم، ولكن بصور وأسماء سياسية عراقية ليست أممية.. فها هو مسعود بارزاني يقايض رئيس الوزراء نوري المالكي ويساومه على الولاية الثالثة مقابل النفط!!  والمساومة معلنة أمام الجميع.. فأما.. وأما!!

ولعل الأمر الذي شجع كاكه مسعود على التعنت في قراره هذا، أنه وجد دعماً من أطراف سياسية شيعية وسنية معاً.. فضلاً عن السابقة  التي نجح فيها الكرد من قبل، حين أصروا على رفض تولي الدكتور ابراهيم الجعفري لمنصب رئاسة الوزراء، لأن الجعفري كان قد مارس دوراً وطنياً مستقلاً تجاه الكرد، أراد به أن يحفظ للعراق الفدرالي حقوقه المادية والسياسية والسيادية أيضاً، فكانت العقوبة أبعاده عن المنصب.. وقد وقف للأسف بعض السياسيين الشيعة والسنة الى جانب مسعود بارزاني في هذه القضية الخطيرة..

إذن..! فالنفط كان مقابل الغذاء، واليوم النفط مقابل الولاية الثالثة.. !!

وإذا كان صدام، ومعه بعض تجار السياسة في مجلس الأمن الدولي قد ربحوا صفقة برامج النفط مقابل الدواء من قبل، فإن مسعود بارزاني، وزملاءه اليوم لن يربحوا صفقة النفط مقابل الولاية الثالثة قط، لأسباب عديدة، منها أن الزمن قد أختلف، والعراقيون اليوم ليسوا كما كانوا قبل عشرين عاماً، فقد إستوعبوا الدروس، ووعوا الأمور وفهموا (الكلاوات)، ولم يعد ينطلي عليهم مثلاً (كلاو) نعوش الأطفال التمثيلية، التي كان صدام يعرضها أمام كاميرات التلفزيون، ليستدر بها عواطف المجتمع الدولي، ناهيك عن أن المالكي اليوم هو مرشح الصناديق الإنتخابية الشعبية، وليس مرشح (القطار الأمريكي)، أو مرشح رشاشات البور سعيد المصرية كما كان من قبل.. فضلاً عن أن (شعار) النفط مقابل الولاية الثالثة لا يحظى بدعم الأكراد جميعاً، لاسيما جماهير الأتحاد الوطني الكردستاني، والتغيير وغيرهما من الذين يعتبرون إنفراد مسعود بارزاني بهذا الشعار هو خروج على مبادئ الشراكة الوطنية، عدا أن الوجود الداعشي التدميري اليوم قد بات على مرمى حجر من بيت مسعود نفسه.. بحيث وضع هذا الوجود  مؤسسة السلطة الكردية الحاكمة برمتها في مأزق خطير، أجبرها على طلب دعم وحماية المالكي العسكرية والتسلحية والمادية والنفطية!! بخاصة وأن قوات البيشمركة لم تصمد للأسف الشديد لأكثر من ساعة واحدة أمام داعش في سنجار، وتلعفر، وسد الموصل، وغيرهما، ما دفع بارزاني لطلب المساعدة من المالكي. وقد استجاب لها المالكي، وأمر قيادة القوة الجوية وطيران الجيش العراقي بدعم الكرد دعماً كاملاً وقوياً..

كل هذه العوامل والمتغيرات، يضاف اليها قرار المحكمة الأتحادية بإعتبار كتلة دولة القانون الكتلة الأكبر، وتذمر قيادات عربية سنية وشيعية من مصادرة مسعود بارزاني لوطنية القرار السياسي العراقي، فبات هذا التذمر عالي الصوت.. ناهيك عن صلابة موقف المالكي، وعدم  رضوخه لشروط المقايضة الباهظة الثمن قد أفشل المساومة برمتها.. وأسقط مشروعها المؤسس على شعار: النفط مقابل الولاية..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان