فالح حسون الدراجي
بفرح غامر تلقيت عدداً غير قليل من الإتصالات والرسائل الودودة من القراء الكرام، ومن الأصدقاء الأجلاء يطلبون فيها إعادة نشر مقالي الإفتتاحي السابق: ( نعم أنا رافضي)، لأسباب كثيرة.. منها أن بعضهم لم تتح له الفرصة لقراءته في وقته، والبعض الآخر أراد إعادة نشره لتعميم الفائدة أكبر عدد من القراء..
وتلبية لرغبة هؤلاء الأصدقاء، والمجاهدين الأبطال.. أعيد نشر المقال (وآني الممنون، وبرسم الخدمة)..
* * ** ** **
لم أكن رافضياً من قبل ولم أسمع بتسمية الروافض والنواصب طوال عمري. ولا أحتاج لقسم أو يمين لتتأكدوا من أني لم أكن أعرف معناهما، أو أسمع بهما إلاَّ قبل فترة وجيزة. إذ كيف لي أن أفرّق بين مسلم ومسلم من قبل، وأقول هذا رافضي، وذاك ناصبي، وأنا الذي لم أكن أفرق قط بين مسلم ومسيحي، ومسلم وصابئي، أو أيزيدي.. أو حتى اليهودي؟ كيف يمكن لي أن أكون رافضياً، وأحسب ذاك ناصبياً، والآخر نصرانياً، وأنا الذي فتح عينيه قبل خمسين عاماً في ذلك الصف الدراسي الأول من مدرسة كميت الابتدائية، التي تقع في أقصى أقاصي الجنوب العراقي على عدد من الزملاء الصغار، كان من بينهم ثلاثة تلاميذ مختلفين، أحدهم ابن المعلمة ست سميرة (المسيحية) والثاني ابن الصائغ عمارة (الصُبي)، والثالث ابن عزرا (أبو الدجاج) اليهودي. والأمر المهم لا يكمن في كوننا كنا زملاء دراسة فقط، بل لأننا كنا أحبة وأصدقاء ايضاً.. فكنا نشرب في المدرسة من كوب حليب واحد، حين كان أحدنا ينسى كوبه، ونأكل في ماعون واحد، حين يأتي وقت الطعام، ونحن في بيت أحدنا !! وكيف يمكن لي أن أكون طائفياً، أو متعصباً في دينه ومذهبه، وأنا الذي كبرتُ في بيت علقت على جدرانه آية من آيات نهج البلاغة، يقول فيها العظيم علي بن أبي طالب لمالك بن الأشتر: (الناس صنفان: أما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق)!! ولإنسانية وأممية هذه (الآية الحيدرية) طلب الأمين العام للأمم المتحدة السابق كوفي عنان تعليقها على واجهة الأمم المتحدة، لكي يتعلم ممثلو شعوب العالم هذا الدرس العظيم من معلم الإنسانية علي بن ابي طالب.. لقد سمعت أول مرة بكلمة الرافضي وعرفت معناها الطائفي البغيض حين تلقيت رسالة من أحد القراء الطائفيين، بعثها لي رداً على مقالة نقدية كتبتها ضد أحد السياسيين، ونشرت في بعض المواقع العراقية قبل حوالي تسع سنوات، فنالت المقالة تأييد وإعجاب الكثير من القراء، لكنها ايضاً نالت ردود أفعال غير منصفة من بعض القراء الذين لم يفهموا المغزى السياسي للمقالة. حيث قال لي (الأخ) في رسالته التي بعثها على إيميلي الخاص: (أسكت أيها الكلب الرافضي.. يا ابن المتعة .. و…)!! ومن تلك الشتيمة الوسخة، أدركت معنى الرافضي..!! وبالقدر الذي كنت أغضب فيه غضباً شديداً من أي شخص يتهمني سابقاً بالرافضية، صرتُ اليوم مكرهاً بفضل – ما أوصلنا اليه الأخوة الأعداء – أنادي وأقول: أنا رافضي!! نعم أنا اليوم رافضي من العظم الى العظم رغم تقدميتي، ورغم علمانيتي. والذنب ليس ذنبي قط. إذ كيف لا أكون رافضاً لهذه الأمة الهزيلة، وأنا أراها تقوم ولا تقعد، باكية شاكية، على قتل عدد من فلسطينيي حماس في غزة، بينما تصمت كصمتِ أبي الهول على ذبح الملايين من العراقيين والسوريين الأبرياء من مسلمين، ومسيحيين، وصابئة، وايزيديين، وعلويين، ودروز .. وكيف لا أرفض هذه الأمة التي يضرب وهابيتها في السعودية شفاه الحجيج بالعصا الغليظة، لأن هذه الشفاه تريد تقبيل قبر بنت النبي فاطمة الزهراء (وهو أمرٌ محرمٌ طبعاً في دينهم)، بينما يبوس هؤلاء الوهابيون أيادي مجرمي داعش، لأن هذه الأيادي فجرت في العراق مراقد الأنبياء (وهذا حلال عندهم)!! وكيف لا أرفض هذه (الملة) الظالمة التي يخرج أحد كلابها على شاشات التلفاز ليقول: سنتعاون ونتحالف مع داعش، لأن حكم داعش أشرف وأرقى من حكم الشيعة في العراق!! داعش التي أعادت الموصل الى أيام أبي جهل، وأبي سفيان، وفعلت ما لم يفعله التتار بالحضارة العراقية باتت أرقى من حكم الشيعة؟! ثم عن أي حكم للشيعة يتحدث الرعديد، ونصيب طائفته من الوزارات، ومواقع الحكم، أكثر من مناصب الشيعة قاطبة؟ وكيف يريدون مني أن أقبل أمة يضيّف أحد ملوكها اللوطيين في بلده مؤتمراً ارهابياً للتحريض على قتل العراقيين الأبرياء، بينما ملعقة العراق في فمه، وفم شعبه الجائع؟ كيف أحترم هذه الأمة وفيها أكثر من الف قناة فضائية تبث سمومها يومياً ضد (الحكم الصفوي) في العراق، وليس فيها قناة واحدة تبث ضد (الحكم الصهيوني) في إسرائيل؟! نعم أنا رافضي (غير طائفي طبعاً)، وسأظل رافضياً، مادام قانون أمتهم الطائفي يعتبر سقيفة الباطل كعبة مقدسة، لا يحق لأحد الاقتراب منها، ومسّ تأريخها الجائر، أو شطب فقرة واحدة من منهجها التعسفي، الذي ينص على نظرية: هم السادة، ونحن العبيد الى الأبد!! وإذا ما فكرنا يوماً بممارسة حقنا التاريخي المسلوب، فلن نجد أمامنا غير طف جديد، وكربلاء دامية أخرى!! نعم أنا رافضي، مادام الأخوة الأعداء مصرين على رافضيتي وصفويتي، (ومتحدون) على منعي من نيل حقي في الحياة، والحكم، والدين.. وسأرفض كل من يريد نحري بسكين الحمار (أبو بكر) البغدادي، أو قتلي برشاش (المأبون) شاكر وهيب!

