فالح حسون الدراجي
منذ أن استغفل الخبيث عمرو بن العاص خصمه أبا موسى الأشعري، وخدعه في التحكيم أمام ممثلي الفريقين المتحاربين بعد معركة صفين وجعله يخلع (ولاية) أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه الصلاة والسلام، ليقوم بعدها بتثبيت ولاية صاحبه معاوية بن أبي سفيان لعنة الله عليه وعلى صاحبه. أقول منذ تلك (الخلعة) الكريهة التي تمت قبل أربعة عشر قرناً، ونحن لم نزل ندفع ثمنها غالياً، من دمنا وحقوقنا ومصالحنا ومستقبل أجيالنا. وكلما أردنا تجاوز مساوئ تلك الخلعة السيئة، وجدنا أمامنا أكثر من خلعة جديدة مماثلة -بلا تشبيه طبعاً- بحيث لم نتمكن من تصحيح الآثار الجسيمة التي خلفتها تلك الخلعة.. أو معالجة شرورها التكاثرية الواسعة، إذ يبدو أن أشباه الخبيث عمرو بن العاص كثيرون، وأشباه المغفل الأشعري كثيرون أيضاً بحيث بات من الصعب تدارك خطرهم، لاسيما وهم يتناسلون يومياً، ويتكاثرون بشكل غير طبيعي حتى أصبح وجودهم أمراً مألوفاً وعادياً في مجتمعنا البائس والعليل. وعودة (لجريمة) أبي موسى الأشعري، وعلى الرغم من الأهمية الاستثنائية المأساوية لموقفه، وكارثية ما تركه الرجل من نتيجة تدميرية، كانت سبباً -من حيث يدري أو لا يدري- في تصدع الأمة الإسلامية تصدعاً لم يعد ينفع معه رأب ولا ترميم.. إلاَّ أن مواقف بعض السياسيين العراقيين اليوم ليست أقل سوءًا، أو أضعف تأثيرا من نتائج فعلة الأشعري النفاقية.. إذ أكمل السياسيون العراقيون صورة الأسى والحرمان والدم والتهميش والعزل الذي لحق بنا، بسبب تلك (الخلعة) المشؤومة منذ أربعة عشر قرنا تقريباً.. ومادام الضعفاء متوفرين في كل حين، والطامعون موجودين في كل ميدان، فإن من الطبيعي أن يزيد عدد بائعي الذمم في سوق النخاسة ولا ينقص قط.. وقديماً قالوا: إذا حضرت الحلوى.. جاء الذباب!!
وعليه فإن المرء الذي يريد أن يخلع صاحبه لم يعد مهماً أن يحصل الخلع بقصد أو بغير قصد، وبحسن نية أو بسوء نية. ولعل المفارقة الأهم في موضوع التحكيم بعد معركة صفين، أن بعضهم لم ينتقد أبا موسى الأشعري على خطئه الكبير، إنما راح يلوم قرار الإمام علي لاختياره أبا موسى فيقول مثلاً: كيف أن رجلاً عليما وعظيماً وفهيماً مثل الإمام علي بن أبي طالب يضع الأشعري ممثلاً عنه؟
والجواب على هذا السؤال يأتي في كتاب الخواص لسبط بن الجوزي ص74 حيث يقول:
( لقد أراد الإمام علي عليه السلام أن يكون الممثل لمعسكره في التحكيم هو عبد الله بن عباس، غير أن الغوغاء أصروا على اختيار أبي موسى الأشعري بالرغم من تأكيد الإمام على ضعف الرجل، ووهن رأيه إضافة إلى مرتكزاته الفكرية، وموقفه من حكومة الإمام علي عليه السلام. وهاهو الإمام علي يخاطب المخدوعين بقوله: لقد عصيتموني في أول الأمر -ويقصد قبول التحكيم وإيقاف القتال- فلا تعصوني الآن أيضاً.. فلا أرى أن تولوا أبا موسى التحكيم، لأنه ضعيف عن عمرو ومكائده..!! إلا أن الخوارج أصروا على اختيار الأشعري، وكان ما كان..
ومن هنا فإن الباحث البصير لا يمكن أن يركن إلى الاعتقاد بأن تلك الأمور قد جرت بشكل عفوي أبداً.. لإن سير الأحداث لا يدل على ذلك.. إذ أن رفع المصاحف قد جرى بتوقيت وتنسيق بين معاوية وحركة موالية له في جيش الإمام (عليه السلام).. وهنا لابد أن يكون له اتصال معها، إذ ما أن إرتفعت
المصاحف حتى استجاب أولئك لإيقاف القتال، مستفيدين من سأم الناس من الحرب، فوسعوا قاعدتهم في صفوف معسكر الإمام (عليه السلام)، وفرضوا التحكيم، مثلما فرضوا ممثل معسكره في التحكيم فيما بعد!!
وهكذا فإني لا أعتقد أن تكون حركة التمرد في جيش الإمام عليه السلام بذلك الشكل الذي ذكره المؤرخون بدون تخطيط أموي مسبق أبدا!!ً
وقد جاءت نتائج التحكيم كما توقع الإمام (عليه السلام) لصالح معاوية حيث بدأ الأمر يستتب له شيئاً فشيئاً…)!!
وخلاصة القول أن الإمام علي بن ابي طالب عليه الصلاة والسلام، لم يكن يجهل بما سيحصل له في قضية التحكيم، وهو العالم بما لم يعلم به غيره، خاصة وأن المنافقين معروفون له وللجميع، ونفس الشيء قد حدث مع الإمام الحسن، والإمام الحسين عليهما السلام، فالآلاف التي كانت تصلي خلف سفير الحسين مسلم بن عقيل، وتبخرت بعد سويعات معدودة، كان أمرها معلوماً لأبي عبد الله قبل وقوعه حتماً. ولم يتوقف الحال عند هذه القمم الرسالية المقدسة إنما أمتد الدور الى بقية الأئمة المعصومين أيضاً، والى مناصري آل بيت الرسول، بل ويستمر مسلسل الخيانة النفاقي لينال الزعماء الوطنيين الشرفاء كذلك، مثل الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم وغيره من القادة الوطنيين الأبطال، إذ مازالت الحلقة الأخيرة من المسلسل تعرض على شاشات الواقع السياسي الآن بنجاح ساحق!!
لذا فإني سأجيب بهذا المقال على السؤال الذي عرضه بعض الزملاء سراً وعلناً حول موقفي من الأزمة، فأقول لهم قولاً واضحاً وحاسماً لا لبس فيه: مبارك لكل من يريد أن يخلع صاحبه، أما أنا فلن أخلع، ولن أبيع صاحبي!!

