فالح حسون الدراجي
كنا نضطر سابقاً الى ضرب الأمثال البطولية بمدن ومواقع أجنبية، حين نريد الحديث عن صمود مدينة ما أمام الغزاة.. فكان صمود مدينة (لينينغراد) السوفيتية في الحرب العالمية الثانية أمام الحصار الألماني الطويل، أنموذجاً حاضراً في أعلب مقالاتنا وأحاديثنا ومحاضراتنا، بخاصة وأن التأريخ الحربي العربي المهزوم يخلو من أمثلة بطولية مشابهة لذلك الصمود الإعجازي، لاسيما وإن حجم الهزائم والنكسات العسكرية العربية الحديثة كبير، بحيث لم يدع لنا فرصة أو مجالاً ننفذ منه لإلتقاط انموذج عربي قد يكون موجوداً في هذه البقعة العربية، أو في تلك. لكن للأسف فإننا لم نعثر في سجل العرب العسكري غير نكسة خمسة حزيران، وأخواتها الهزائم والنكسات الشنيعة الأخرى. واليوم عندما صمدت مدينة آمرلي العراقية صموداً أدهش العالم، وأجبر الداعشيين الأوغاد على الهروب منها، لم يعد لأحد منا الحق بعد اليوم باستخدام النموذج الأجنبي حين يروم الحديث عن بطولات المدن وصمودها.. إذ كيف نستخدم (لينينغراد)، أو غيرها مثالاً، ولدينا مدينة آمرلي، التي باتت منارة عالية، وأنموذجاً عظيماً في الصمود الشعبي، والشجاعة الوطنية؟!
وبنصاعة ورقة آمرلي، دخلنا سجل الناصعين اللامعين، حيث وضع العراقيون الأبطال أول علامة لامعة لهم، وللعرب في سجل المدن الصامدة في التأريخ، بعد عار السقوط لعشرات المدن العربية في وحل الإحتلال والهزيمة، بدءاً من حيفا ويافا وغزة، الى الجولان وسيناء والضفة الغربية.. وغير ذلك.. المهم في الأمر أن جميع العراقيين في آمرلي غسلوا وجه التأريخ العربي بماء الورد، بعد أن لطخه الآخرون (بصخام) النكسات جيلاً بعد جيل..
ولأن العراقيين عراقيون من الوريد الى الوريد، ولأنهم أصلاء وأولاد (حمولة)، فقد أبوا أن تظل آمرلي يتيمة في سجل المدن العربية الصامدة، لذلك أضافوا لها مدينة أخرى، ستكون حتماً مفخرة من مفاخر العراق الفذة. وأقصد بذلك مدينة الضلوعية التي تقع جنوب تكريت.. فهذه المدينة التي تحملت ثقل سبعين يوماً من الكر والفر، والتصدي، والمبادرة، والضغوط والحصار، فصمدت بشجاعة نادرة، نالت اليوم إعجاب الدنيا كلها، وليس إعجاب المتابعين فقط. وإذا كانت آمرلي (الشيعية) قد صمدت بعقيدة، وفروسية مذهب أهلها، فإن مدينة الضلوعية البطلة قد صمدت بعزيمة عشائرها العربية، لاسيما عشيرة الجبور الأصيلة، وعشيرة الخزرج التي لها سجل تأريخي عربي عريق..
وهنا أود أن أشير الى نقطة مهمة، وهي أن منظمات المقاومة الإسلامية، والمتطوعين الشيعة في الحشد الشعبي – بدون ذكر الأسماء – وقفوا مع الضلوعية وقفة، لا أظن أن أهالي الضلوعية سوف ينسونها قط، عكس ما حصل في قضية آمرلي، حيث وقفت للأسف بعض العشائر السنية في المنطقة حجر عثرة -ولا أقول ألغاماً- في طريق الفرسان الذي جاءوا يفكون الحصار عن ناحية آمرلي.
ختاماً أقول: إن الضلوعية، المدينة العراقية الباسلة، التي صمد أهلها صموداً فذاً، والتي قاتل فيها أبناء العشائر – ولاسيما الجبور والخزرج – قتالاً عظيماً، تستحق منا جميعاً الثناء والتقدير والإعجاب، وتستاهل ايضاً أن ننشد لها مثلما أنشدنا وهزجنا لمدينة آمرلي. لأننا ننظر للنصر المتحقق في المدينتين نظرة واحدة دون تمييز. واذا كان (الآخرون) قد غدروا للأسف بأولادنا القادمين من الجنوب والوسط لتحريرهم من الدواعش، فإننا بالعكس منهم سنكرم أولادهم، بإعتبارهم اولادنا كما سنشد عزائمهم، لأن عزائمهم من عزائمنا.. ولكم أن تسألوا اليوم أي مواطن من مواطني الضلوعية عن مواقف فرسان العصائب، وأبطال بدر، وشجعان سرايا السلام وأسود كتائب حزب الله ليحكي لكم عن مواقف ومساندة هؤلاء الأبطال له، ولمدينته في حصارها. لذلك نقول بثقة، أننا سننشد، ونغني لصمود الضلوعية الحرة، وأبطالها الجبور والخزرج، مثلما كنا قد أنشدنا بالأمس لآمرلي في نصرها العظيم.. لأننا لم ننشد لأمرلي كونها مدينة (شيعية) قط، إنما لأنها مدينة عراقية، ولأن صمودها الإعجازي يستحق منا الإنشاد والإشادة لا غير.. فمجداً لآمرلي، وطوبى للضلوعية، وتباً لمن باع موصله بأبخس الأثمان..
الخزي والعار لمن غدر بفتياننا في سبايكر الأسى!!

