الإفتتاحية

أبو داود.. جبل يمشي على قدمين

فالح حسون الدراجي

  أمس شرفني الزميل العزيز رائد الأسدي سكرتير اتحاد الشبيبة الديمقراطي العراقي، بالدعوة لحضور الإحتفال الجميل بالذكرى الثالثة والستين لتأسيس إتحادهم (وإتحادنا) المناضل.. حضرت ومعي الصديق علي المالكي لقاعة الإحتفال رغم مشاغلي المهنية والشخصية الكثيرة، وجلست في أقصى الجهة اليسرى من الخط الأول للحضور الكريم. ولأني جئت متأخراً، فقد دخلت مسرعاً، وخجلاً، بحيث لم أستطع رفع رأسي، والسلام على بعض الشخصيات والأصدقاء والأحبة الحاضرين، وأكتفيت بالسلام على الزميل الأسدي فقط. وما أن أستقر بي الحال وزال التوتر، والحرج (من حضوري المتأخر)، وإستعدت رباطة جأشي، حتى رحت أتفحص وجوه الحاضرين من الذين يجلسون في الخطوط المرئية واحداً واحداً، فأبتدأت من خشبة المسرح، حيث كان الفنان الجميل جعفر المختار يقدم روائعه الغنائية بصوته العذب، وعزفه الباهر.. فرفعت له يدي، وردها لي بإبتسامة دافئة.. ثم صافحت بعيني من بعيد، عدداً من المحبين الذين كان بعضهم ينظر لي بمحبة وود كبيرين.. لا سيما وأن تسعين في المائة من الحضور كان شبابياً جداً.. لقد جالت في مخيلتي أسئلة عديدة وأنا أنظر في الوجوه الشابة، والجدران، واللافتات المعلقة.. وأتمعن بهذه الذكرى النبيلة، وأتساءل مع نفسي فأقول:- أيعلم هؤلاء الشباب المحتفلون اليوم بالذكرى الثالثة والستين لتأسيس إتحاد الشبيبة الديمقراطي، بإني كنت المسؤول عن ذلك الإحتفال الفني الكبير الذي أقيم في بيت (حساني) بمدينة الثورة إحتفاء بالذكرى الواحدة والعشرين لتأسيس إتحاد الشبيبة الديمقراطي..وإن نصف الذين حضروا ذلك الإحتفال قد أعدمهم النظام الصدامي المجرم، ونصفهم الآخر موزع اليوم بين النفي والغربة والشيخوخة والمرض والعوز والإعتزال، ولم يبقَ من جيل حفلنا ذاك، سوى الزملاء الذين خدمتهم الصدفة والحظ فظلوا أوفياء يرزقون. لقد تذكرت في هذه الدقيقة تلك الوجوه واحداً واحداً، فإنزلقت  دمعة جريئة من عيني، لمحها صديقي علي المالكي، وإبتسم لي بحزن، كأنه يقول لي: أبك يا صاحبي.. فمن تبكي لأجله يستحق الدموع!!
 في هذه اللحظة رميت بصري الى وسط الجالسين، فوقعت عيني بعين (أبو داود)!!
يا إلهي: من أرى في القاعة؟
أحميد مجيد موسى هنا يحضر بدمه ولحمه؟
حميد موسى هذا الرجل القديس بأخلاقه، والصامت بمجده، والمتواضع بكبره وروعته، والمناضل بتاريخه، والنزيه ببياض يده وقلبه، والعفيف حد الدهشة والنبيل حد الخرافة.  ابو داود صاحب الإسم الأبيض كالفجر، والنظيف كماء المطر، وصاحب التاريخ الذي  يكفي لكفالة ألفٍ من الذين لا تاريخ لهم.. أبو داود الجمال والضوء والحب الذي يتسع لكل ما في الحزب من أعضاء وأصدقاء وأعداء أيضاً.. بل ويكفي لكل من في العراق من ملايين بشرية. هل تصدقون مثلاً لو قلت لكم، أن عمر أبي داود النضالي (فقط) يساوي ثلاثة أعمار الزميل رائد الأسدي، منذ ولادة رائد حتى هذه الساعة التي تجمعه بأبي داود، لكنهما يجلسان اليوم كتفاً الى كتف، وكأنهما يعملان في خلية شبيبية واحدة!
كنت أنظر وأنا أجلس في قاعة الحفل أمس خلسة من بعيد الى حميد مجيد موسى، فأتباهى، وأفخر بإني عشت زمناً عاش فيه معي حميد مجيد موسى بعد أن حرمت من معاصرة الشهيد الفذ سلام عادل، والمناضل القائد فهد، والبطل حسن السريع، والبطل جمال الحيدري، وغيرهم من كواكب النضال الوطني. لقد عوضني الله عن معاصرة هؤلاء الكبار، فعاصرت نضال عزيز محمد، بل أفخر إني كنت رفيقاً في تنظيمات الحزب الذي كان يقوده (أبو سعود)، وعاصرت نضال حميد موسى.. وهذه فرصة ليس من الممكن أن تتوفر لغيرنا بسهولة.
وإذا كنت اليوم خارج تنظيمات الحزب الشيوعي لأسباب عديدة، فإن الحزب لم يكن بعيداً عني في يوم من الأيام، فهو يجري في دمي منذ أن تلمست الحياة، وما زال يقيم في قلبي، وعقلي، وروحي ولن يغادره حتى الموت، لأنه يقيني الوحيد، وأملي الوحيد، ورجائي الوحيد في بناء عراق راق ومزدهر وقوي ومعاصر. عراق بلا طائفية، ولا شوفينية، وتعصب قومي.. عراق بلا طبقية، أو مناطقية.. أو عشائرية.. عراق أتمنى أن يكون فيه الحكم مدنياً.. والدين سيد الجميع المطاع، والقانون أعلى سلطة في البلاد.. وقطعاً فإن هذا لن يتحقق، إذا كان الشيوعيون بعيدين عن زمام أموره.. لأني لا أصدق قط، ولن أثق في بلد يكون فيه (ناجح الميزان) نائباً في برلمانه، وهو لم يجمع أكثرمن 5000 صوت، بينما يغيب عنه المناضل الشيوعي الوطني جاسم الحلفي، رغم حصوله على أكثر من ستة عشر الف صوت، وثقوا بأن الحياة لن تستقيم في العراق دون أن يكون للحزب الشيوعي، والقوى الديمقراطية صوت مسموع فيه..
 ختاماً أرفع يدي بالدعاء للعراق بالخير والصحة والسلام.. وللمناضل الكبير حميد مجيد موسى بالعافية والعمر الطويل، ولحزبه بالنجاح والتوفيق..
  وسلاماً لأبي داود، ذلك الجبل الذي يمشي على قدمين ..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان