الإفتتاحية

يا علي بن رشم..!!

فالح حسون الدراجي

يا علي بن رشم..
يا ابن مدينة الصدر، التي تشرَفت بمجدك البهي، وبنورك الكريم كل قطاعاتها وبيوتها الطيبة بيتاً بيتاً.. مثلما تشرفتَ أنت بحمل إسمها العظيم، وشربتَ من ماء شِعِرها السلسبيل حتى إرتوت عروق قوافيك
يا علي بن رشم..
 يا مَن نبتَ جذرك في أعماق أرض (الكوت) من قبل.. (الكوت) المدينة الشجاعة الباسلة، التي يفتخر اليوم بك أهلها حتماً، مثلما إفتخرَت بك عشيرتك – عشيرة السواعد – الأصيلة!!
يا علي بن رشم..
يا بطلاً لم تكن بطولته مصادفة، ولا إستثنائيته إعتباطاً.. ولا وقفته الفريدة مفاجأة .. إذ كيف تكون البطولة مفاجأة لمن عاش، ونما في عرين الأسود، وتدرب بين الأسود.. أليست العصائب عريناً للأسود؟
وكيف يكون الولد بطلاً فذاً لو لم يكن من صلب بطل إبن بطل؟ وأنت كنت هكذا يا علي بطلاً إبن بطل.
 وكيف يكون المرء شجاعاً لو لم يكن قد تنفس الهواء من بيئة صحية، شهيقها البطولة، وزفيرها الشجاعة؟ وهكذا هي مدينتك وأهلك ياعلي.. وكيف يكون الرجل عظيماً لو لم يكن عراقياً ولادة وتربية وإنتماءً؟.. وهكذا أنت ياعلي.. عراقي النبت من الوريد الى الوريد..
وفوق كل هذا وذاك، فأنت إبن تلك التي (لولت وهزت لهذا اليوم).. وهل هناك أبلغ من هذا اليوم منزلة، وأعلى شأناً، وأهم تأثيراً ياعلي..؟ أليست هي معركة الحق ضد الباطل، ومعركة الإيمان ضد الشرك.. ومعركة العراق ضد أعداء العراق.. ومعركة عشاق الحسين ضد أعداء الحسين.. ومعركة الحرية ضد أعداء الحرية..؟
 أليست معركة جرف الصخر، هي المعركة التي يتقدم فيها أهلك، ويتوسطها أهلك، ويحمي ظهرها أهلك.. فإن لم تكن قد (لولت وهزت لهذا اليوم)، فلأي يوم إذن ضمتك أمك الطاهرة ياعلي؟!
   يا علي بن رشم..
 سأقول لك كلاماً لم أقله لأحد من قبل قط، ولن أقوله لأحد بعدك والله،  فأسمعني ياعلي بقلبك العاشق المرهف، وأنتبه لي بروحك الشاعرية، فأنا أعلم أنك الآن تحمل جراحك البليغة بصبر الأنبياء، وتناجي سيدك وحبيبك الحسين شعراً في ذكرى عاشوراء الجرح الكربلائي المقدس. لذا ليس لديك الوقت لتسمعني، لكني ارجوك أن تسمع ما أقوله ياعلي:
لقد شرفتنا بوقفتك الباهرة، وبيّضت وجوهنا الكالحة بكفك الناصعة، حتى أخجلتنا من أنفسنا، وبأنفسنا، فأحسستنا بعيبنا، وعارنا، وخذلاننا، – نحن الشعراء اللائذين بسِدّ طولك الحلو- وبتنا من شدة حيائنا منك، نستعيد اليوم قراءة قوافيك واحدة واحدة، ونتفحص ملامحك الحلوة، ملمحاً ملمحاً، عسى أن نجد فيك الذي لم نجده فينا.. وأن نعثر فيك على مفتاح السر المجيد الذي جعلك أنبل منا، وأكرم منا، وأشجع منا..
يا علي بن رشم.. أيها الشاعر الجميل الذي شرَّفتَ بتاريخ بندقيتك كل تواريخ الشعراء السابقين واللاحقين، (وحنّيت) بدمك الطاهر باب الشعر، فجعلته بدمك محترماً ومهاباً. ويا مَن إستطالت بك قاماتنا أمتاراً وأمتارا حتى تكاد تلامس الذرى.. ويا مَن أطلقتَ أصواتنا من محابس حناجرها، بعد أن كانت رهينة الخوف، وأسيرة الصمت..
 لقد زرعت ياعلي في أصواتنا المبحوحة الخائفة شجاعة النطق، وجسارة الموقف.. ومثلما بيّضت وجوهنا، فقد بيّض الله وجهك في الدنيا والآخرة..
سأعترف لك وأقول يا علي.. بأن الشعراء (كل الشعراء) كانوا قبل دمك مزاجيين، ونرجسيين، وكلاميين، وكسالى، ولا أباليين، وخائفين (من جرة الحبل)..ليس لديهم بضاعة يبعونها  للناس غير الكلام، لذلك أسمتهم الناس: (بيّاعي كلام)..!!
إسألني، أنا الذي قابلتهم كباراً وصغاراً، وألتقيتهم أمراء وصعاليك، ورافقتهم مؤمنين وملحدين.. ومررت بهم وعليهم أغنياء ومفلسين، ورأيتهم مصطفين ومبعثرين.. كرماء وبخلاء، غالين ومبتذلين، عاشرتهم من بسيطهم، الى معقدهم، فلم أجد فيهم أحداً مثلك يمضي الى شهادته واثق الخطوة، يمشي ملكاً.. حاملاً بيده بندقيته، ومعها روحه في اليد الأخرى، فيعود حاملاً قلبه الممزق بالرصاص..!!
 انت يا علي فخرنا، ومجدنا، وهيبتنا، ورفعة رأسنا.. لذلك ترانا اليوم نتسابق في الكتابة عنك، وعن بطولتك.. ليس لنمتدح موقفك الباسل، ولا لكي نرضي الله والوطن، إنما لكي نخفف من وطأة حرجنا مع أنفسنا، ونداري خجلنا من ضمائرنا.. إذ كيف تمضي لوحدك دوننا نحن أساتذتك وزملائك الشعراء.. لا أملك غير قبلة عطرة نقية صادقة أضعها على جبين جرحك الوضاء.. وأقول لك في آخر الكلام: بارك الله في الصلب الذي جئت منه، والبطن الذي ولدت منه، والمدينة التي جئت منها، (والعصائب) التي أعددتك لمثل هذا اليوم..
 وختاماً أقول لك (يا علي): إن بسطالك، وماحمل بسطالك هو أشرف (منهم جميعاً)، بدءاً من معاوية، وليس إنتهاء بـ (أبو بكر) البغدادي!!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان