فالح حسون الدراجي
لايمكن لشهر عاشور أن يمر دون رايات العزاء الحسينية التي يعلقها الناس على سطوح المنازل. ودون الهريسة العاشورائية التي تُقدَّم في المواكب ، والمجالس، والشوارع العامة، والبيوت.. ثم عروض (التشابيه) التي تقدم في عدد من الساحات العامة، والأمر الذي لابد منه في (مُصباح يوم الطبگ)، هو رواية قصة إستشهاد الإمام الحسين عليه السلام، التي كتبها المؤرخ الأمين (أبو مخنف)، ورتلها الشيخ عبد الزهرة الكعبي.. ولأن الطغاة كانوا يخشون صوت الحرية، ويخافون من إنتشار هذا الصوت المُهيب الهادر. ولأن الحسين هو ليس أبا الأحرار فحسب، إنما هو دستور الحرية وقانونها، ولإن ثورته تاج الثورات الحرة في طول وعرض التأريخ الإنساني، فقد كان من الطبيعي ان يرتعش طغاة البعث من صوت المجد الكربلائي هذا. لذلك حاولوا بكل مايملكون من وسائل إستبدادية محاصرته، وخنقه. فمنعوا رفع رايات أبي عبد الله الحسين فوق أعالي المنازل، ثم قاموا بمنع طبخ وتقديم (هريسة أبي عبد الله)، حتى وصل بهم الأمر الى كب القدور بما تحتويه في التراب، وإلزام المواطنين بعدم أداء هذه الشعيرة الحسينية من خلال التوقيع على تعهدات خطية، يتم أخذها في المقرات الحزبية البعثية بالقوة. وقبل ذلك كانت السلطات البعثية قد منعت (التشابيه) الحسينية منعاً باتاً، وأعتقلت القائمين عليها. وإذا كان البعثيون قد نجحوا بعض الشيء في محاصرة الممارسات الحسينية الشعبية الثلاث، فإنهم لم يستطيعوا قط تحقيق أي نجاح في محاصرة، وخنق صوت الشيخ عبد الزهرة الكعبي، إذ ظل صوته عصياً على الكسر والإحتواء والقهر .. وحاشا أن يُكسَر صوتٌ يروي قصة إستشهاد إبن بنت رسول الله.
ويقيناً أن حُب الناس لصوت وأداء وصدقية التفاصيل التي تروى عن الوقفة الحسينية الباسلة، كان سبباً رئيسياً في فشل السلطة بإبعاد وإسقاط صوت الشيخ الكعبي من الوجود الكربلائي، لاسيما وإن الجماهير المُحبة له، كانت تتابعه وتجالسه من مجلس الى مجلس ومن (قراية الى قراية). وأظن أن لشجاعة الشيخ عبد الزهرة الكعبي علاقة وثيقة بتواصل الجماهير معه، إذ كان رحمة الله عليه لا يخشى السجن والإعتقال، ولايهاب الموت. وكيف يخشى السجن من كان ضيفاً دائماً على معتقلات الأمن البعثي؟ وعلى وجه الخصوص عام 1969، الذي كان بحق عام الشيخ الكعبي دون منافس، لكثرة ما تردَّد فيه الشيخ على معتقلات البعث.
لقد كان يمضي رحمه الله الى المجالس الحسينية في كل مكان رغم التحذير والمنع والمطاردة من قبل الأجهزة الأمنية، وكان يقرأ من منابرها قصة إستشهاد أبي الأحرار، ولم يسترح من المطاردات والمضايقات الفاشية حتى رحيله مسموماً من قبل جلاوزة البعث عام 1974.
لقد أحتفظ العراقيون بصوت الكعبي في أفئدتهم قبل أن يحتفظوا به في أشرطة التسجيل المخفية.. لذلك لم تتمكن السلطات من إنتزاعه من قلوب الناس، بعد إن زرعه المحبون في دمهم، حتى أزهر صوته ورداً من ورود الجنة.
لقد كان مثلث عاشوراء ينهض على (قصة مقتل الحسين) بصوت الشيخ عبد الزهرة الكعبي ومنبر الشيخ الدكتور أحمد الوائلي، وسمفونية الشيخ ياسين الرميثي الخالدة (يحسين بضمايرنه). ولم يستطع النظام الدكتاتوري إسقاط ضلع واحد من هذه الأضلاع الحسينية الثلاثة.. بسبب الحب الشعبي الكبير لهذه الأركان الشريفة، فبقيت الأصوات الثلاثة خالدة، وستبقى كذلك مادمات ثورة الحسين خالدة في الضمائر النقية.

