الإفتتاحية

شهادة بحق باسم الكربلائي

فالح حسون الدراجي

 

   أسمع بعض الكلام الذي يحاول فيه قائلوه الإساءة الى واحد من فرسان المنبر الحسيني، عبر اتهامه بمطالب مالية باهظة يطلبها مقابل مشاركاته في المجالس والمواكب الحسينية.. وأقصد به الحاج باسم الكربلائي. وبعيداً عن جوهر الأهداف والغايات المعلنة أو المخفية لمطلقي مثل هذا الكلام فإن لي بحق هذا الرجل شهادة أقولها للتأريخ، والله شاهد على كل حرف فيها، عسى أن يكون فيها بعض من الرد على صانعي ومروجي هذه التهمة الظالمة.ولنبدأ الحكاية من بدايتها من يوم سقوط النظام الصدامي، حيث تم اكتشاف المقابر الجماعية، وتم عرض مآسيها عبر القنوات الفضائية العربية والعالمية، وقد كنت وقتها مع مجموعة من الزملاء الإعلاميين في دولة الكويت، نعد ونقدم البرامج الاذاعية المعارضة لصدام من أحد إستوديوهاتها، لنبثها في اليوم الثاني من اذاعة خاصة متنقلة في أم قصر..  وفي اليوم الثاني للسقوط، وبينما كنت اتابع احدى الشاشات العربية، رأيت أعداداً من المواطنين العراقيين وهم يتوافدون على إحدى المقابر الجماعية للبحث عن ضحاياهم، فكان صراخ الأمهات، ونحيب الآباء، وعويل الأبناء، يدمي القلب..فجأة..! لمحت بين هذا الركام السريالي لضحايا صدام وعوائلهم زوجة اخي الشهيد البطل (أم سلام) وهي تحمل بيدها (جمجمة)، فصرخت كالملدوغ دون وعي: جمجمة أخي !!ثم انخرطت في نوبة هستيرية من البكاء والنواح، والصراخ والشتائم، ولم أهدأ إلا بعد أن (شبعت من البواچي)!!. لكنني، وبعد فترة – وهنا المفارقة – اكتشفت أن تلك المرأة لم تكن زوجة أخي، وأن تلك الجمجمة لم تكن جمجمة أخي أبي سلام. لكن القضية تلك أفادتني بشيء مهم، هو أني كتبت بسببها عملاً شعرياً درامياً أستطيع أن أفخر به، ويفخر به أولادي وأهلي جميعاً، وأقصد به (سمفونية المقابر الجماعية).   لقد كتبت هذا العمل الدرامي في تلك اللحظة التي كنا نشاهد فيها عبر شاشة التلفاز صور المفجوعين الذين يبحثون في الأكياس، وبين الأكوام المبعثرة عن أولادهم الذين أختطف حياتهم صدام وجلاوزته السفلة. في تلك اللحظة أنسلت روحي الى غرفة فارغة في ذلك المبنى الكويتي لأجد نفسي ممتداً على الأرض، وأمامي كوم من الأوراق، وقلم وعلبة سجائر وعلبة ثقاب، لم أستخدم منها غير عود واحد، فقد كنت (أورِّث السيجارة من نار لأخرى)!! وبعد ساعتين من الكتابة المتواصلة والمتدفقة، خرجت من الغرفة منهكاً، مرهقاً، كأنني أخرج من تحت أنقاض زلزال. حاملاً بيدي أوراقاً مكتنزة بالشعر والدموع، ولم أكن أعرف ساعتها ماذا كتبت، لكني كنت متأكداً من أني كتبت شيئاً ذا جدوى. وما إن رحت أقرأ لزملائي ماكتبته حتى أجهش البعض بالبكاء خاصة النساء منهم، فكانت الزميلة المذيعة ايمان حسين أول الباكين، تلتها الزميلة المخرجة الكويتية (العراقية) مفيدة السلمان، ثم عشتار التميمي. ولم يكن الرجال بعيدين عن المشهد البكائي، فقد كان بكاؤهم مراً وقوياً أيضاً، لأن لكل واحد منهم قصة دامية مع نظام صدام، وفي بيت كل واحد ضحية من ضحايا المقابر الجماعية. لذلك كان وجع هذه القصيدة وجعاً جماعياً مشتركاً، إذ وجدت الدمع يلمع في عين الزميل حميد الكفائي، ويتدفق من عيون الدكتور علاء فائق، وعودة وهيب، وحميد الياسري، وصادق الركابي، وغيرهم من الزملاء.. وحين انتهيت من قراءة النص، استرحت تماماً، وشعرت بأني أفرغت كل أحزاني، وتخلصت من كل أثقالي مرَّة واحدة.
   لكن المشكلة كانت في كيفية تنفيذ هذا العمل، لاسيما وهو ملحمة درامية متداخلة الأوزان، والايقاعات والمشاهد، وتحتاج لأكثر من أسلوب فني لمعالجتها. فاختلفت آراء، ومقترحات الزملاء، وأغلبها قد رفض لأسباب مختلفة. حتى صاح المخرج علاء فائق: وجدت الحل !!
فقلنا: وما هو؟
قال: باسم الكربلائي !!
وهنا أحتدم النقاش بين الزملاء حول الكربلائي، لأن أكثرهم لايعرفه معرفة جيدة.. إلاَّ أن الدكتور علاء فائق أقنع الجميع بفكرته.. وهكذا كنا أنا والدكتور علاء في صباح اليوم الثاني في أستوديو النظائر بمدينة الكويت، حيث كان هناك باسم الكربلائي يسجل أعماله الحسينية.. فالتقينا به، وعرضنا عليه الفكرة، ووافق الرجل على الفور، وتسلم النص مني..
 وفي صبيحة اليوم الثاني كان باسم يسجل (سمفونية المقابر) في الأستوديو.. ولم يأخذ التسجيل منه أكثر من ساعتين أو ثلاث، خاصة وأنه كان الصوت المؤدي، والكورس الإنشادي، والملحن. وباختصار فقد أنجز الرجل كل شيء لوحده، وكانت المحصلة النهائية عملاً درامياً رائعاً..
ولما تسلمنا الشريط، ودفعنا أجور الأستوديو، تقدمنا نحو الحاج باسم الكربلائي، لندفع له مستحقاته المالية ايضاً. وقد خصصت له الإذاعة مبلغ عشرة آلاف دولار. لكن باسم رفض بشدة تسلم دولار واحد.. قائلاً بألم: كيف تريدونني أتقاضى مالاً عن رثاء شهداء أبطال، أعطونا حياتهم دون ثمن؟
لقد حفر باسم الكربلائي في نفوسنا جميعاً موقفاً رائعاً لن ننساه الى الأبد..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان