فالح حسون الدراجي
مع شديد احترامي للموصل، وتاريخها الحضاري، ورموزها الثقافية، والوطنية، يحتم علينا الواجب الوطني والمهني، أن نقول الحقيقة دون تردد. فنكبة (حزيران الموصل)، وعار الهزيمة المُرة التي كان بطلها أثيل النجيفي محافظ نينوى سابقاً – قبل أن تصبح الموصل عاصمة للخلافة الداعشية- (ويديح) السيد المحافظ في مولات هولير، مع أفراد أسرته وبطانته المهزومين، يسبقهم قادة (الأركان) العسكرية الذين هربوا من مواقعهم في الموصل، وهم يدفعون بكروشهم الى الملاجئ الآمنة التي أعدت سلفاً لمثل هذا اليوم، فالملجأ الأبيض ينفع في اليوم الأسود، وهل هناك (أسوأ) وأسودَ من هذا اليوم؟
أقول إن نكبة (حزيران الموصل) ليست فقط هزيمة عسكرية يمكن تجاوزها، ومعالجتها، ولا هي سقطة، أو (كسرة) سياسية يستطيع السياسي تجبيرها، أو تصحيح مسارها، إنما هي كارثة ونكسة ونكبة ومأساة، عسكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية واخلاقية وإنسانية ودينية! إذ فتحت هذه النكبة الباب على جهنم، وأفرزت بقسوتها متغيرات داخلية وإقليمية ودولية تدميرية جمة، بحيث لم تقف هذه المتغيرات عند حدود الخارطة الجغرافية فحسب، إنما شملت جميع النواحي الحياتية الأخرى. فكان من نتائجها، ان أصبح العراق مرهوناً في كف عفريت، ولا نعرف متى يطيح هذا العفريت بالبلد كله !! ويقيناً أن الجميع يدرك أن هذا الخراب والدمار قد بدأ من الموصل في حزيران العام الماضي، ليضرب أطنابه في كل مسارات الحياة العراقية، جنباً الى جنب مع جريان نهر الدم العراقي الطهور، والمغدور. وحتماً فإن تخاذل الموصل (حكومة وشعباً وجيشاً وشرطة)، وعشائر- بعد أن بايع، وعاهد أكثر من ثلاثين شيخ عشيرة عربية موصلية (الخليفة) البغدادي على الولاء والطاعة، في حفل سيرك هزيل، شاهده ملايين المشاهدين، هو برأيي سبب كل هذا الخراب الحاصل في الدولة والحياة العراقية.. لأن سقوط مدينة بحجم، وأهمية الموصل، وبطريقة دراماتيكية هوليودية، أمرٌ ليس سهلاً قط في بلد كل ما فيه هش، وقلق، وقابل للتشظي! وبطبيعة الحال فإن (لعنة الموصل) ستظل تطارد كل من شارك في سقوطها، سواء أكان متعمداً وطامعاً، أم ضعيفاً، أم متخاذلاً أم جباناً! بما في ذلك السياسيون، والنواب، والقادة العسكريون، واللصوص، وطبقة المستفيدين من احتلال داعش، والطائفيون الحاقدون على الطيف الآخر، وأبناء مدينة الموصل شيباً وشباباً، ومن يعترض على توصيفي هذا، سأضطر الى أن أحيله الى تجربة صمود أهل (آمرلي) الأبطال، الذين قهروا داعش، وكسروا بصمودهم شوكة المجرمين القتلة. فلماذا لم يحصل الأمر نفسه في الموصل، وهي المدينة الكبيرة التي يقدر حجمها بسبعة أضعاف حجم وإمكانات مدينة آمرلي؟!
أن كل الموصليين- ومن بينهم آلاف المنتسبين من الشرطة الذين سلموا أسلحتهم الى داعش دون قتال – هم مسؤولون عن نكبة سقوط مدينتهم.. وعليه، يتوجب معاقبتهم، وحبسهم استناداً الى نصوص القانون العسكري العراقي – وأن يحرموا أيضاً من امتيازاتهم، وحقوقهم، إذ لا يمكن قطعاً أن يتساوى في الحساب، من قاتل وجاهد واستبسل دفاعاً عن أرضه وعرضه، مع من تخاذل وهرب، وسلم سلاحه بيد العدو!!
إن هذه الأعراف والمعايير، معروفة في كل الشرائع والقوانين السماوية والأرضية، فلماذا يطالب بعضنا بتطبيق، وتحقيق العكس منها؟
فبدلاً من معاقبة وحبس أفراد الشرطة الموصليين الهاربين من المعركة- بالمناسبة أنا لا أطالب بمحاسبة ومعاقبة أهل الموصل فقط، إنما أطالب بمعاقبة كل المتخاذلين دون النظر للمحافظة، والقومية، والمذهب – نجد من يأتي اليوم ويطالب بتكريم هؤلاء الشرطة الفارين والمتخاذلين، وبصرف رواتبهم كاملة، جزاء هروبهم المخزي، وتخاذلهم الفظيع.. فأية مهزلة، ومسخرة هذا الذي يحصل في عراق اليوم؟!
والمصيبة أن هذا الطلب يأتي من نائبة برلمانية، ولصالح أكثر من ستة آلاف شرطي موصلي، نصفهم يعمل الآن في خدمة (الدولة الإسلامية)، والنصف الثاني، ذهبوا حماية وحرساً لعمهم أثيل وعائلته في أربيل !! وقد يظن البعض من القراء أني أمزح، إذ ليس من المعقول، أن يطرح نائب عاقل مثل هذا الطرح!!
وكي لا أتعبكم، فإني أنشر هنا الخبر الذي نشرته عشرات الصحف والمواقع والوكالات الخبرية العراقية، تحت عنوان: (نائبة موصلية تطالب بصرف رواتب 6200 منتسب)!!
واترك الأمر لكم.. حيث جاء في تفاصيل الخبر:
(طالبت النائب عن محافظة نينوى نورة البجاري، الثلاثاء، الحكومة، ووزير الداخلية محمد الغبان التدخل المباشر والايعاز للجهات المعنية بصرف رواتب 6200 منتسب في المحافظة.
وقالت البجاري في مؤتمر صحفي عقدته في مبنى البرلمان وحضره مراسل جريدة (الحقيقة)، ان “استمرار معاناة أكثر من 6200 منتسب في وزارة الداخلية، ضمن تشكيلات الشرطة، والمرور، والاتحادية، لمحافظة نينوى، الملتحقين لدوائر وزارة الداخلية في مناطق أخرى، او ممن التحقوا بمعسكرات تدريب استحدثت لهم في محافظات اقليم كردستان بدوامهم فيها”!!!!
واضافت اننا “لا نعلم اسباب اصرار وزارة الداخلية على عدم صرف مرتباتهم الشهرية..)!! انتهى الخبر، ولي تعقيب صغير أتحدى فيه النائبة المحترمة، لو تكرمت وأعطتني أسماء مائة منتسب فقط، من بين هذه الآلاف الستة، (يداوم) فعلاً في دائرة من دوائر الداخلية خارج محافظة نينوى، وساعتها سأدفع من (لحيتي) رواتب كل منتسبي شرطة الموصل، بل وأيضاً رواتب شرطة عفچ، والشنافية، وطريبيل، وعگرگوف، والفلوجة، وكمبوديا، وساحل العاج !!

