فالح حسون الدراجي
المعروف أن القاضي هو سيد الأحكام، وسلطان العدل، وسيف الله فوق رؤوس الظالمين، والفاسدين، واللصوص، والمجرمين. فإن خاف هذا القاضي ربه، وألتزم تعاليمه، وطبق القانون بحذافيره، وأراح ضميره، فإنه سيمشي واثق الخطوة ملكاً، لا يلتفت لمنادٍ خلفه، ولا يسمع قولاً مؤذياً من أمامه، ولا يخاف يوماً سيأتي، حيث لا ينفع فيه مال ولا بنون، مادام هذا القاضي عادلاً، وملتزماً بحقوق الله، وواجبات العدالة الإلهية والإنسانية التي لا يظلم فيها أحد لا سمح الله.
نعم هكذا عرفنا القضاء، وسيعرفه القادمون مثلنا أيضاً. فالحكم القضائي يكون عادة للقاضي وحده، وليس لغيره مطلقاً.. فهو العادل إن عدل، وهو الظالم إن ظلم، أما ان (يُظلم) القاضي نفسه – بضم الياء وفتح اللام – فهذا أمر لم يرد من قبل، ولم يحدث إلاَّ في العراق.. فالعراق اليوم بات كنزاً للغرائب والعجائب.. وسيكون الأمر اشد غرابة ودهشة حين يكون المظلوم قاضياً، والظالم فرداً عادياً، وليس سلطاناً، أو ملكاً جائراً!!
ولكي تكتمل المسرحية الغريبة فصولها، فإن القاضي المظلوم هو فخر القضاة في العراق، ومختصر العدالة الرافدينية، التي يشهد لها التاريخ منذ مسلة حمورابي حتى قوانين القرن الحادي والعشرين، كما يشهد لهذا القاضي في عدالته جمهور واسع من الناس الذين مروا على توقيعه المحايد، بل المنحاز للمظلوم دائماً. فمن تحت توقيعه نال المظلومون حقهم، وذهب الظالمون لمشانق العدل.. فضلاً عن شهادة جمهرة واسعة من القضاة العراقيين النبلاء، والمحامين الشرفاء الذين يعدون اليوم رقماً فخماً في العراق.. إذ ما من قاض، او محام، او مظلوم تسأله عن القاضي جعفر الخزرجي حتى يقول لك: إنه والله قاض شريف، وعادل، ونزيه..
اما ان يظلمه نائب عراقي، هو الآخر شريف، ونزيه، ووطني، فهذا امر يثير دهشتنا بشكل أكبر.. فالنائب هيثم الجبوري الذي أعترف له امامكم، بأني من المنحازين له، والمعجبين بأدائه النيابي، والسياسي، والوطني جداً، قد صدمني بقوة حين سمعته يتحدث بشكل غير صحيح عن هذا القاضي العادل، ويتهمه إتهامات ظالمة. والمشكلة ان الجبوري لم يتحدث عن القاضي الخزرجي في المكان المناسب لمثل هذا الحديث، سواء أكان في البرلمان، أم في قصر العدل، أم في أي مكان آخر يجمعه مع اهل الإختصاص، وبحضور القاضي نفسه، ليدلي النائب الجبوري ساعاتها بإتهاماته، وملاحظاته، لكي يظل الأمر محصوراً في سرية الموقع، وفي مكان التقدير والإحترام المخصص للقضاء العراقي، فلا يصبح القول أداة للتشهير والتحريض والطعن المجاني، ولايكون وسيلة لإستعراض العضلات النيابية التي لم تبرز في مواقع الفساد الحقيقي، التي يعرفها النائب الجبوري جيداً، لأنه لا يقدرعلى الوصول اليها، ولا الخوض فيها، لأسباب ليست خافية على أحد، إنما تحدث النائب للأسف في احدى وسائل الإعلام، التي يراها ويسمعها الملايين من الناس.. والمؤلم ان الحديث كان مكتنزاً بالتهم، والطعون. وملغوماً، بل وخطيراً، فالحديث بشؤون القضاء والعدل العراقي علناً، وبهذه الطريقة أمر فيه الكثير من الخطورة على كل الأطراف بما فيها النائب نفسه، خاصة وإن فيها كماً هائلاً من الإساءة للقاضي، وللعدالة، وللعملية الديمقراطية في العراق.. فالقضاء الذي نحترمه ونهابه ونقدره كثيراً، لسموه وعلوه، وهيبته قد تعرض للإهانة على يد النائب هيثم الجبوري.. فهل أصبح القضاء العراقي الذي هو آخر ما نفخر بعدالته، وسلامته، ونحرص على انه آخر الحبال التي نعتصم بها بعد حبل الله، وآخر الحصون التي نلوذ بها من الظلم والجور والفساد والقتل والتخريب، أقول هل أصبح هذا القضاء سلعة رخيصة في سوق المصالح، والمزايدات النيابية والسياسية؟
وهنا اود ان أقول أن القاضي جعفر الخزرجي لم تسحب يده من منصبه، وإن الخبر الذي بشر به الجبوري لم يكن صحيحاً، فضاعت الفرحة والبشرى معاً.. فالرجل موجود الان في موقعه الذي يجب ان يكون فيه..
بقي أمران وددت ان أقولهما: الأول ان الخزرجي هو رئيس هيئة التمييز في الإستئناف، وان له صوتاً واحداً من بين ثلاثة أصوات، بمعنى ان القرار ليس له وحده فقط، إنما يشاركه فيه صوتان آخران .. والحكم الذي يصدر من هيئة التمييز يتضمن رأيين، أما تثبيت قرار محكمة الجنح، او نقضه، ومن حق أي فريق الطعن بالقرار امام محكمة التمييز أن وجد نفسه متضرراً.. ومن هنا نسأل، إذا كان مع الخزرجي صوتان في هيئة التمييز، وإن للمتضرر حق الطعن في القرار .. فكيف إذن يستطيع القاضي جعفر الخزرجي تبرئة، او تجريم احد في مثل هذه القضايا، خصوصاً قرارات قضايا غسيل الأموال.. فاتق الله يا رجل!!
أما الأمر الثاني فهو، أن الخزرجي اول قاض يحكم بأحكام إعدام في قضايا الإرهاب، حيث حكم عام 2003 على ثلاثة متهمين بقتل وذبح ضباط في الشرطة، وأصدر حكماً بإعدامهم دون ان يلتفت لأحد..
ختاماً أقول للنائب العزيز هيثم الجبوري، وأقسم له في ذلك، بأني احبه جداً، لكن تصريحاته الظالمة بحق القاضي الخزرجي، الذي لا اعرفه بقدر مما اعرف الجبوري، قد صدمتني جداً.. وقد زاد في صدمتي اني أتصلت رسمياً بأحد السادة في مجلس القضاء العراقي وسألته عن صحة خبر (سحب يد) القاضي الخزرجي، فأجابني ضاحكاً بأن (يد) الخزرجي باقية، ولم يسحبها احد، فاليد العادلة لن يستطيع احد سحبها حتى لو جاء بشاحنة أو لوري سحب!

