الإفتتاحية

صُنع في العراق..!!

فالح حسون الدراجي

 

  أمس تألقت فينا الحماسة الوطنية الباهرة، وإرتقت في نفوسنا روح الإندفاع (العراقية) الى أعلى مراتب السمو الشاهق، ونحن نسمع الأمنيات الخضر تتدفق كالشلال من فم هذا المهندس المتقد غيرة، وحماسة، ممهورة بالأرقام الدقيقة، والعناوين الواقعية، ومضيئة بالمخططات والأفكار العلمية، والفنية المحترفة، وفي نفس الوقت، فهي موشحة بوشاح العزم، الذي يحرِّض المرء المُجد على طرق باب المستحيل، فيفتح له المستحيل بابه إعجاباً بجرأة من جاء اليه متحدياً.. نعم هكذا وجدنا المهندس محمد صاحب وزير الصناعة يوم أمس، وقد ظهر (قافلاً) على كلمتين ونصف لاغير: صُنع في العراق!!
وترجمة هاتين الكلمتين تعني: أن الرجل يريد اليوم صناعة وطنية عراقية رغماً عن انف الظروف الأمنية، والمالية، والفنية.. فهو يحلم كأي فتى بما يتمناه ويريده، وبما يخطط له، ويقاتل من أجل تحقيقه.. وهل هناك أكثر جدارة بالحلم من إعادة الصناعة العراقية الى سابق مجدها، الى حيث كنت تشيد بيتك بالحديد العراقي، والطابوق العراقي والأسمنت العراقي الذي تتسابق الدول المتقدمة على إستيراده منك، ثم تمضي الى بيت أخيك فتجد لديه ثلاجة عراقية، وتلفزيونا عراقيا، ومروحة عراقية، وفي صيدلية بيته أدوية عراقية فاخرة، ثم تجد صديقك يدخن سجائر عراقية، ويلبس بدلة عراقية فاخرة، يعني بإختصار كان المنتوج أيام زمان عراقياً من الألف الى الياء.. بحيث لا يضطر العراق كما هو اليوم ليدفع مليارات الدولارات لدول العالم من أجل إستيراد كل شيء، بحيث بتنا نستورد جميع ما نحتاجه في الحياة، من الطائرة، الى العتاد، الى السوتيان، والملابس الداخلية!!
 لقد كنا أمس في مكتب الوزير محمد صاحب الدراجي، أنا ومعي حشد من الصحفيين، فبهرنا هذا الرجل بما يحمل من وطنية عالية، وبما يخزنه في عقله من أفكار وأحلام، وتحديات شبابية عنيدة. وقطعاً فهو لايختلف عن غيره من الشباب العراقيين المكتنزين بالعلم والكفاءة والخبرة والثقافة والمعاصرة والوعي المتقدم، لكن المختلف لديه يكمن في أن الرجل لم ينتظر قدوم الفرصة، ولم يخدع نفسه بوهم جملة مفادها ان (المستقبل كفيل بحل المشاكل)، إنما مشى بقدميه الواثقتين نحو هذا (المستقبل) ليغيره، حاملاً بيده معول التغيير، وفأس البناء، مستعيناً بإلله العلي العظيم، ومتسلحاً بعدالة وشرعية أفكاره، ووطنية مشروعه، ومتوسماً بالجماهير الشعبية، فهي القادرة على مساندته، خاصة وإن هدفه هدفٌ وطني نبيل..
 ولأنه يعلم أن طريقه خطير، ومحفوف بالتحدي والمواجهة.. فالحيتان الكبيرة التي يريد الدراجي (قطع رزقها)، وقطع رأسها، وسحق مطامعها في عقر دارها، لن تجعل له الطريق سهلاً، ولا الباب مفتوحاً، إنما ستسد في وجهه كل الطرق والمنافذ والأبواب التي ينفذ منها نحو مصادر مالها المتعددة، ومنها المصدر الصناعي.. وهل هناك أشد خطورة من عصابات المال حين تشعر بأن مصادر ربحها مهددة؟!
 لقد سمعنا من هذا الشاب المندفع لإعادة الصناعة العراقية الغذائية والعسكرية والحياتية كلاماً زرع واحات من الأمل في صدورنا، وجدد ثقتنا بقدراتنا الصناعية التي أصابها (بريمر) بحماقة قراراته، وأجهزعليها الآخرون من حيث يعلمون أو لا يعلمون.. ولعل الأمر المهم أن الرجل لم يتعال على الأوضاع ولم يرفع أنفه على الظروف، بل طلب عون، ودعم الإعلام الوطني لمشروعه العراقي الذي ينادي فيه، والذي لخصه كما قلت بـ (صنع في العراق)!!
لقد أشعرنا الدراجي رغم فهمنا لفجيعة الظروف ان هذا الرجل قادر على أن يوقف صرف (321) مليار دولار أخرى في ثماني سنوات أخرى.. نعم، فالعراق صرف 321 مليار دولار في ثماني سنوات فقط، لما إستورده من الخارج، وهذا يعني ان 57 % من موارد العراق قد ذهبت لإستيراد السجائر والبساطيل والبطانيات والعتاد، والصوبات والثلاجات والملابس والماء والعلوچ، والفستق !!
وقادر أيضاً على أن يوقف صرف ( 600) مليون دولار اخرى لشراء العتاد في ثمانية أشهر فقط.. حيث تصرف الدولة الآن على العتاد.. بينما يوجد اليوم عشرات الآلاف من العمال والمهندسين والموظفين السابقين في التصنيع العسكري، يتقاضون الرواتب وهم يجلسون في بيوتهم، علماً – وكلمة الحق تقال – أن هؤلاء الناس لا تربطهم بصدام وجلاوزته أية رابطة سوى العمل في مصانع الدولة، فهم ليسوا حسين كامل، ولا هم أفراد في عصابات أسرة صدام ..أنما هم مواطنون عراقيون يعملون كما يعمل العراقيون الآخرون، فلماذا لا نستفيد من خبراتهم، ونعيدهم الى العمل، لا سيما ونحن بحاجة الى العتاد هذه الأيام..؟
ثم لماذا نستورد الملابس العسكرية من الصين وكوريا.. أليس العراقيون قادرين على صناعة قميص عسكري، أو بدلة عسكرية، خاصة وأنها ليست ذا خصوصية فنية مثل خصوصية البدلة المدنية التي يتوجب صناعتها بمواصفات عالية؟
ختاماً.. دعونا ندعم الدراجي ونسند حملته الوطنية؛ (صنع في العراق)، فهي صفعة عراقية قوية في وجه الفساد، وچلاق في مؤخرة الفاسدين!

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان