الإفتتاحية

عساها بحظ.. منو؟!

فالح حسون الدراجي

في (حرب الشمال)- حيث كانت تسمى الحرب الطاحنة بين قوات الجيش العراقي، ومقاتلي البيشمرگة الكردية، بقيادة الملا مصطفى بارزاني، في نهاية الستينيات حتى منتصف السبعينيات – كانت جثامين الجنود العراقيين تتدفق  نحو مراكز الشرطة في محافظات الجنوب والوسط، لتسلم الى ذويها المفجوعين، وكان لمحافظة ميسان (العمارة) النصيب الأوفر بين عدد الضحايا.. لذلك إنتشرت بين أمهات الجنود اللائي كنَّ يقفن عند أبواب المراكز، كلما وصلت وجبة جديدة من التوابيت، هوسة ملغومة (حسچة)، هوسة شكلها ضد (بارزاني)، ومضمونها ضد سلطة البعث، والهوسة تقول: (طرگاعة لفت برزان بيَّس بهل العمارة) 

ومعناها واضح، فالسلطات الحكومية كانت ترسل أبناء العمارة الى هذه الحرب، بينما كان أبناء بغداد من مناطق الأعظمية، والكرادة والكرخ، والتجانيد الأخرى، يقضون خدمتهم الإلزامية في مقرات ثابتة، ووحدات عسكرية، هي أشبه بالدوائر المدنية. أما في مدينة الثورة، التي كانت تنافس (العمارة) بعدد الضحايا، فقد كانت الأمهات فيها يرددن هوسة: (عساها بحظ ابن برزان)

والمعنى هنا أيضاً واضح، لا يحتاج الى شرح..

وبعد مآسي (حرب الشمال)، ووصول صدام لرئاسة الجمهورية عبر التمثيلية التي نفذها ضد البكر.. إشتغل جلاوزته إشتغالاً نشيطاً في ملف المناوئين السياسيين، فكانت المشانق، وساحات الإعدام وأحواض التيزاب، وكواتم الصوت الجهنمية تعمل على قدم وساق ضد الشباب العراقيين.. حتى أصبح التغييب، والفقد، عنواناً بارزاً في الحياة العراقية.. فاشتهرت آنذاك جملة كلما ضاع فتى أو أختطف شاب بريء، تقول: (عساها بحظ علوان).. أو (عساها بحظ غليص)!! 

وغليص، هو شخصية رئيسية في مسلسل تلفزيوني بدوي، ظهر، وإشتهر في أواخر السبعينيات لتشابهه مع صدام..

وقبل ذلك، أي في نيسان 1969، حيث السقوط المدوي لعزيز الحاج، سكرتير تنظيم القيادة المركزية، (المنشق عن الحزب الشيوعي العراقي)، الذي كان بطروحاته حلماً رومانسياً لآلاف الشباب المتعاطفين مع (ثورته، وثوريته الهشة)، كتب الشاعر كاظم الركابي قصيدة بعنوان: (عساها بحظ عزيز الحاج)!! ومعنى القصيدة واضح أيضاً..

وعلى نسق (عساها بحظ فلان) يمكن لنا أن نصف عشرات الأهازيج والمقولات، والجمل (الحسچة) الملغومة، لاسيما وأن العراقيين – خصوصاً في الجنوب والفرات الأوسط – بارعون في إستخدام وإستنطاق الحسچة، بكل ما فيها من شيطنة!!

لكننا اليوم لا نحتاج حتماً الى (الحسچة) والترميز، لأن الحرية، التي وفرتها الديمقراطية في العراق، جعلتنا نقول ما نريد قوله بوجه المسؤول مهما كان حجمه او مستواه، بل أن الأمر وصل عندنا الى عبور ضفة السياسي، والمسؤول الحكومي، فوصل مقامات وذوات، (وحظوظ)، أشخاص ما كنا نظن يوماً ان أحداً سيصل اليهم، لكنهم يشتمون ويلعنون اليوم أمام الجميع في لافتات وهتافات وأهازيج، وصور كاريكاتورية أيضاً. 

نعم، لقد تحرر الناس اليوم من كل العقد والمخاوف والمحاذير، ولم يعد يمنعهم من قول مطالبهم أي مانع، ولم يعد في الأفق مقدس – غير الله ورسوله والأئمة المعصومين- حتى بات الناس يقولون علناً ما لم يجرؤ أحد على قوله من قبل.. إذ أن بأمكانهم أن يقولوا: عساها بحظ فلان، وعلان.. أمام فلان وعلان أنفسهم!!

 وعليه فإني أقول، ونحن نعيش أيام سعدنا البهية، وأفراحنا الزهية، بأعياد المطر الذهبية، تلك الأيام التي جعلتها لنا امانة (علوش)، وعبقرية عبعوب، ومن كان قبلهما وبعدهما، أياماً، وأعياداً وطنية وشعبية وفلكلورية بهيجة، خاصة وإننا رأينا خلال هذين اليومين، أشياء رائعة كنا قد فارقناها من زمن بعيد، ولولا (بركات) علوش، وعبعوب وكوادرهما الأمينة المخلصة، لما عادت الينا هذه الأشياء قط.. 

خلاصة القول، أدعو اليوم كل عراقي وعراقية، للصعود الى السطح، وتحديداً بعد صلاة المغرب والدعاء الى لله سبحانه وتعالى، أن يحفظ رأس أمينة بغداد ذكرى علوش، ورأس امينها السابق، والأمين الأسبق، والأسبق (وجوباً)، حتى يصل الدعاء الى رأس الأمين العاشر والعشرين، وأن يحفظ لنا أيضاً محافظ بغداد، ومجلس محافظة بغداد، ورئيس حكومة العراق، الذي عاصمته بغداد.. وچالغي بغداد، وطرشي بغداد- على اعناد لبن اربيل – وطبعاً انا متأكد من أن العراقيين لن يقولوا كما قالت امهات الجنود في العمارة، أو الثورة من قبل، ولا آباء المغيبين في مقابر صدام، ولايقولون كما قالها الشاعر كاظم الركابي قبل أكثر من اربعين عاماً: (عساها بحظ عزيز الحاج)!! لأن المسكين عزيز الحاج لم يسرق درهماً واحداً من (مال) بغداد. إنما سرق (آمال) الثوار الشيوعيين في تنظيم بغداد فقط!!

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان