الإفتتاحية

مات المنقذ!!

فالح حسون الدراجي

سمعتُ صباح اليوم خبر وفاة الدكتور أحمد الچلبي مثلما سمعه غيري من الناس، فتجمَّد الدم حالاً في عروقي، وسرت في جسدي رعشة من الحزن المصحوب بالغيظ والغضب والتوتر، حتى تبسمرت قدماي في موضعهما، بحيث لم أستطع التحرك من مكاني، ولا أن أفعل أي شيء يمكن أن يخلصني مما انا فيه من وجع وكدر وذهول!!

فإتصلت من دون وعي بأخي وصديقي العزيز أحمد الوحيلي مدير قناة آسيا- التي يمتلكها الدكتور الچلبي- لأستفهم منه عن صحة الخبر، عسى أن يكون النبأ كاذباً، أو إشاعة من إشاعات (الساعة التاسعة)!!   لكن صديقي أبا حيدر فجعني بصحة، وتأكيد النبأ، فأنهى صبري، وسالت الدموع من عيني متدفقة، حتى شعرت بالأسى الحقيقي، الذي يشبه فقدان أخ كبير..

وبعد دقائق، هدأت أعصابي، وبدأت حواسي تعود لطبيعتها، فرفعت رأسي نحو زميلي الذي يجلس الى جانبي في الجريدة، وسألته قائلاً:  – من برأيك، سيفرح اليوم بموت الچلبي؟

ففتح زميلي فاه، وهو يقول:- وهل هناك احد يفرح بموت أبي هاشم؟

قلت: طبعاً..

قال: من مثلاً؟

قلت:- البعثيون الصداميون، أول من سيفرح (ويرگص بچفية) اليوم..

واكملت حديثي بالقول: فالبعثيون يعتقدون- وهم على حق طبعاً – أن الچلبي هو الذي (قشمر) الأمريكيين، وقادهم الى إتخاذ قرار تحرير العراق، ولولاه لما سقط صدام، ولا مضت دولة البعث الصدامية..!!

قال: ومن غير البعثيين؟

قلت: الطائفيون الحاقدون من أتباع الوهابية..

قال: هذوله ليش يفرحون..؟

قلت: لأن الچلبي واحدٌ من أعمد المؤسسة الشيعية، وقد نجح هذا (العقل الخلاق) في جمع شمل الأطياف الشيعية المتناثرة، والمتناحرة بمؤسسة مذهبية سياسية واحدة، أسماها (البيت الشيعي). ثم أقنعهم أيضاً بالتجمع في قائمة الإئتلاف (الشيعية) رقم 169، فتمكنت هذه القائمة من الفوز بجدارة في إنتخابات العراق لعام.. 2005

ثم التفتُ الى زميلي وقلت له: اليس من حق الطائفيين الوهابيين ان يكرهوا الرجل الذي جمع (الحيَّة والبطنج) في موضع واحد.. وهم   

-أي الطائفيون- كانوا يراهنون على فرقة وإختلاقات، وتناحرات الشيعة فيما بينهم؟

قال: ومن بعد غير هؤلاء؟

قلت: أحفاد لوط.. فما بين الچلبي، وبين الأردنيين ما يمكن ان يكتب في كتاب كامل.. وخلاصته، أن الچلبي (رباة الكاظمية)، لا يمكن أن يخدع، أو يسرق من قبل هؤلاء (الخرنگعية).. فغلبهم ولم يغلبوه.. ولأن الأردنيين إعتادوا على سرقة اموال العراقيين بدءاً من أرصدة صدام وحسين كامل وعوائلهم، وإنتهاء بمردودات أبسط عامل عراقي يعمل اليوم في الأردن، فينكر عليه أرباب العمل الأردنيون حقوقه ومستحقاته المالية تحت شعار (يعطيك العافية)!! 

قال: وبعد؟

قلت: ويكره الچلبي أيضاً كلاب صدام النابحة في قنوات العهر.. 

قال: أراك حزيناً أكثر من عندنا جميعاً.. لماذا؟

قلت:

لأنه منقذ العراق، ومحرره من قيود الصداميين أولاً.. ولأنه وقف ويقف بقوة بوجه البعثيين.. وما هيئة إجتثاث البعث التي أسسها الدكتور أبو هاشم إلاَّ الدليل على روعته الوطنية.

 ولأنه أيضاً يملك إنسانية ووطنية عالية.. فقد عملت معه في المعارضة العراقية، حين كنت مديراً لمكتب جريدة المؤتمر في أمريكا، أيام كانت هذه الجريدة واحدة من أفضل الصحف العربية، بفضل رئيس تحريرها الأستاذ حسن العلوي، ودعم الدكتور الچلبي..

وهنا أود ان أذكر موقفاً لن أنساه كان قد حدث في واشنطن قبل سقوط نظام صدام بأربع سنوات.. حين أقام العراقيون في امريكا بتظاهرة سياسية كبيرة ضد صدام، تم التحشيد لها لمدة شهر تقريباً.. وقد جاء العراقيون من مختلف الولايات الأمريكية، لكن فجأة هطل المطر بقوة مع بدء التظاهرة، ولم يتوقف طيلة سبع ساعات، فتبلل المتظاهرون تماماً.. لكن التظاهرة واصلت مسيرها بإصرار متوجهة نحو سفارة صدام.. وصادف ان قادة المعارضة العراقية جاءوا من مختلف دول العالم الى واشنطن ليعقدوا مؤتمراً مع القيادة الأمريكية.. وقد أبلغنا جميع هؤلاء القادة بموعد ومكان التظاهرة، وطلبنا منهم المشاركة فيها لأسباب معنوية كثيرة.. وقد كان لي شرف عضوية لجنتها الإعلامية.. لكن المؤسف أن لا أحد من قادة المعارضة العراقية قد حضر للتظاهرة، رغم قرب المكان.. إلاَّ الچلبي، فقد كان الوحيد الذي حضر معنا، وشارك، وهتف ضد الدكتاتورية الصدامية أكثر منا. وأذكر ان أحد مرافقيه (الجاحدين)  – ولا أريد ان أذكرإسمه- قد حمل المظلة (الشمسية) فوق رأس الچلبي، وهو يمشي خلفه، فإنتبه له أبو هاشم، فدفع المظلة من فوق رأسه، وهو يقول لحاملها بلهجته البغدادية الحلوة: (وخّرها بابا، شنو آني قابل أحسن من هاي الناس)؟!

 ملاحظة: هذه التظاهرة، شارك فيها آلاف العراقيين، أغلبهم أحياء يرزقون!!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان