فالح حسون الدراجي
اشترط صندوق النقد الدولي على الحكومة العراقية شروطاً صعبة لكي يوافق على إقراضها بقروض تساهم في سد العجز المتوقع بموازنة 2016، ومن هذه الشروط: رفع الدعم عن تسعيرة الكهرباء، والوقود، والبطاقة التموينية، وتخفيض حجم رواتب الموظفين وغيرها من الشروط التي تعتبر شروطاً قاسية في مثل هذه الظروف الأمنية والمعيشية الصعبة.
وإذا كان الأمر عسيراً على الحكومة العراقية بتنفيذ برنامجها القادم، لو رفض الصندوق الدولي منحها القرض، لاسيما وإن قانون الموازنة الجديد يتضمن قروضاً عالية، يقال أنها تتجاوز الأربعة عشر مليار دولار لسد العجز فيها، فإن القبول بهذه الشروط سيكون أشد صعوبة، وحراجة من النواحي السياسية، والشعبية، والمعيشية!!
وللأمانة فإن سياسة صندوق النقد الدولي وإشتراطاته ليست حصراً على العراق، إنما هي سياسة (ليبرالية) عامة، يطبقها الصندوق مع أغلب البلدان المقترضة. ولعل الشيء اللافت هنا، أن بعد كل قرض يمنحه الصندوق الدولي بإشتراطاته المعروفة، يحدث غليان عال في شوارع البلدان المقترضة، وتحدث إنتفاضات، وثورات شعبية، مثلما حدث في مصر عام 1977، والتي سميت بثورة الخبز، وكذلك في الأردن / مدينة معان عام 1996 حيث حملت إسم ثورة الخبز أيضاً، وفي الجزائر فجَّر أبناء مُدن قسطنطينية وسطيف عام 1986 إنتفاضة الخبز، ثم فجر فقراؤها إنتفاضة مشابهة في عموم مدن الجزائر عام 1988، وفي تونس أندلعت إنتفاضة الخبز أيضاً عام 1984، وفي المغرب إنتفضت الجماهير الشعبية بعد رفع الدعم الحكومي عن الخبز والوقود عام 1984، وهناك مدن أخرى كثيرة، كان الصندوق الدولي سبباً في تثوير شوارعها، الغاضبة من شروطه، ومن تنفيذ الحكومات لهذه الشروط المجحفة بحق الجماهير.. فسياسة الصندوق كما معروف تعطي دائماً الأولوية للتجارة العالمية، ولخفض الدعم الحكومي عن مفردات الفقراء المعيشية.. لاسيما في الأرياف، والأطراف..
ولو مضينا بإتجاه مفاوضات الصندوق الدولي مع العراق الآن، ممثلاً بوزارات المالية والتخطيط، والنفط، وديوان الرقابة، والبنك المركزي، يتضح لنا الفرق الشاسع بين طروحات الصندوق الدولي، والحكومة العراقية.. فالصندوق – مثل أي دائن آخر- يفكر في كيفية إسترداد أمواله من المديون.. لذلك يسعى الى مراقبة إنفاق هذه الأموال كي لا تذهب الى قطاعات إستهلاكية غير مربحة.. وفي هذا يقول رئيس اللجنة الإقتصادية والمالية في مجلس محافظة ذي قار رشيد السراي:- (ان من ثوابت صندوق النقد الدولي في منح القروض، اشتراط اصلاحات او اجراءات اقتصادية، ولا يمكن باية حال من الاحوال ان يستثنى العراق منها.
واستغرب السراي ” من تصريح وزير المالية هوشيار زيباري الذي زعم ان صندوق النقد الدولي لم يشترط اي شروط لمنح القرض، كرفع الدعم عن الوقود، والغاء البطاقة التموينية، وغير ذلك من الشروط!! بينما يعلن صندوق النقد (بنفسه) عن أن العبادي سيجري تغييرات على موازنة 2016 استنادا لاتفاق القرض، وتنفيذاً لشروط صندوق النقد الدولي.. )!!
خلاصة القول: إن للقروض التي يقدمها صندوق النقد الدولي ثمناً باهظاً، يدفعه دائماً الفقراء.. ويربحه الأغنياء، والفاسدون، وما أكثرهم اليوم في العراق، ولها -قروض الصندوق الدولي- مردودات سلبية خطيرة على مستقبل البلد. لذلك فإن التوجه نحو الحلول الداخلية هو الأمر الصحيح والحل الأسلم للمشكلة. وكذلك الإعتماد على سياسة إقتصادية وطنية سليمة، تبدأ من حيث وضع أصحاب الإختصاص التخطيطي الإقتصادي في مواقعهم المناسبة، وتتواصل مع مشروع صارم لمكافحة الفساد والفاسدين، وبإسترجاع الأموال العراقية المسروقة والمنهوبة، وفي التحرر من مأزق المحاصصة الكريه، ومصارحة الشعب بما عليه الحال من صعوبات، وليكن شعار التقشف شعاراً شاملاً، وليس محصوراً (بأولاد الخايبة) دون غيرهم.. وإعتماد الخصخصة العلمية، منهجاً إقتصادياً للدولة، مع دعم المشاريع الصناعية والزراعية الوطنية.. خاصة المشاريع التي تدر موارد للدولة، لاسيما وأن وزارة الصناعة تنهض اليوم بمشروع وطني فذ، يحمل شعار (صنع في العراق).
وبالتأكيد فإن في العراق عقولاً مفكرة كبيرة، تستطيع رسم الخطط الإقتصادية المنقذة، ووضع الحلول الناجعة القصيرة والبعيدة..ومن كل هذا فإني أتمنى على الحكومة العراقية أن تفكر ألف مرة قبل أن تقرأ شروط الصندوق الدولي، وتضع الف خط احمر تحت شرط رفع الدعم الحكومي عن بعض المتطلبات المعيشية للناس، فتحذر من التقرب الى (خبزة) الفقير.. لأن في (ثلم) هذه الخبزة المثلومة أصلاً، كارثة حقيقية، ولا أظن أن العبادي (عايز كوارث).. فالرجل (غرگان بيها)، بدءاً من كارثة داعش، مروراً بكارثة ومصيبة أقليم مسعود، وإنتهاء بكارثة (بغداد من تمطر شلون)؟!

