فالح حسون الدراجي
قضيت عمرك تفتحين لنا نوافذ الصباح، وتشرعين لنا أبواب الجمال الملائكي، وتوقظين الشمس كل صباح، ثم تهمسين في مسامعنا جميعاً: صباح الخير.. اليوم في عيدك الثمانين، سنقول لك صباح الخير فيروز..
كيف لا وقد قد أصبح عمر (فيروزة) الدنيا، وكنز الجمال، وسفيرة الحب الى النجوم، وجارة القمر، ومغنية الأعياد، ومواسم العصافير ثمانين عاماً بالتمام والكمال.
إذن:
سيكون عمرها ثمانين عاماً، وهو – لغيرها- عمر يستحق التقاعد الأبدي، بعد أن يكون قد عبر صحراء الكهولة والشيخوخة، ودخل- كما يفترض- مرحلة العجز شبه التام..
لكن فيروز لم تزل تحب، وتغني، وتشرق مثل شمس آذار كل صباح، ثم تمطر على (الروشة) بمطر الجمال الذي يبلل أجساد الصبايا اللبنانيات من أول تشرين حتى آخر المدى الزمني.. وهي ذاتها التي كانت تسعد الملايين منذ عام 1946 حتى الآن دون توقف، وستعدهم وتسعدهم حتى مجيء السنة المستحيلة من عمر الزمان الأخضر. وستظل تشدو لهم، وتطربهم بالميجنا الميجنا لمطلع فجر الجمال الجديد.. وإنبثاق تاريخ إنساني جديد، يكون فيه الغناء عيداً، وعشقاً، وفخراً وطنياً، ( وليس إنحرافاً عن الدين)!! نعم ستسعدهم فيروز بشدوها الساحر، وبحضورها الجذاب.. هل تعلمون أنها وقفت قبل مدة وجيزة على مسارح الجزائر لتحيي ثلاث حفلات غنائية بمناسبة مهرجان “قسنطينة عاصمة الثقافة العربية 2015.
فأستغرق شدوها بإحدى هذه الحفلات خمس ساعات متتالية..؟
طبعاً طبعاً.. ففيروز لن تكبر، ولا تشيخ مطلقاً. إذ لا يمكن لعُمر أن يعجز وهو يعود لفيروز، ولا صوت يشيخ، وهو صوت فيروز، ولا شدو يموت، والله الكريم زرعه بيديه الجليلتين في حنجرة قيثارة السماء.. وحاشا لله أن يتخلى عن (فيروزته) في أواخر عمرها، فيهزل روعتها، أو يضعف جسدها، أويوهن كبرياء صوتها البنفسجي في آخر مشاوير العمر.. ثم من قال أن لفيروز عمراً له أول، وفيه آخر..؟
وإذا كانت فيروز تكبر في عدد سنوات العمر مثل أي كائن بشري آخر، فإنها لن تكبر وتشيخ مثل أي كائن بشري آخر، إلاَّ في شهادة الميلاد، وطبعاً فإن شهادة الميلاد لا تملك صوتاً كصوت فيروز، فتغني فيه لشادي، وحبيبها الذي كتبت أسمه (عالحور العتيق)، أو الذي تحبه بكبر البحر، وبعد السما!!
إن صوت فيروز يشبه النبيذ المعتق، الذي تزداد جودته، ويغلو سعره كلما تقدم فيه العمر، وهو أيضاً مثل دهن العود الأسطوري، أو عود البخور الهندي، الذي يتميز عن غيره، حتى لو كان بين ألف عود وعود. وحتماً أن مثل هذا الصوت لا يمكن أن يكبر، أو يذبل، أو يموت..
فيروز في الثمانين اليوم، لكنها لم تزل (بنت إزغيرة) تلعب مع رفيقها شادي (على سطح الجيران)، تطير بحلمها كلما تطير طائراتها الورقية المصنوعة من (ورق وخيطان).. وتلعب تحت ضوء القمر لعبة العسكر والحرامية.. لقد كبر الزمان وشاخ، وفيروز لم تزل هي هي، ندية، عطرة، مشرقة. مشاكسة كأية طفلة نزقة، تخرج لسانها للزمان هازئة به، وساخرة منه، وكأنها تقول له: أتحداك إن وصلتني!!
مرة سألوا ولدها زياد – الطاعن في الكهولة -: تبدو كأنك أبو فيروز وليس إبنها.. فضحك وقال: وستبقى بنتي، حتى تتحول أبوتها الى ولدي!!
فيروز الواثقة مما تقول تدرك جيداً أن عصا الزمان لم ولن تصل اليها، لسبب بسيط، هو ذات السبب الذي أعتمده يوماً الفنان الكبير محمد عبد الوهاب في إجابته على سؤال وجهه له أحد المذيعين عن أجمل الأصوات النسائية في تاريخ الغناء العربي، فذكر عبد الوهاب أسماء ام كلثوم واسمهان وسعاد محمد ونجاة وفائزة وغيرهن، وحين إنتهى من ذكر قائمة الأصوات النسائية العربية دون ان يكون اسم فيروز بينها، ادركه المذيع بسؤال عاجل، قال فيه: وأين إسم فيروز من هذه القائمة يا جناب الموسيقار الكبير؟
فأنتفض عبد الوهاب، وقال للمذيع:
انت سألتني عن الأصوات الجميلة في الأرض، ولم تسألني عن التي في السماء!!.

