فالح حسون الدراجي
قبل عشرين عاماً التقيت في الأردن، بصديقي الشاعر الغنائي الكبير كاظم السعدي الذي كان يقيم هناك منذ ذلك الوقت وحتى الآن.
ولأني أعرف كاظم، مثلما يعرفه الزملاء الآخرون، كريماً، باذخاً جداً حين يكون (جيبه مليان)، ومنطوياً حزيناً، إذا ما كان مفلساً، إذ ستجد علامات الإفلاس واضحة على كل ما فيه..
وبناء على ذلك، فقد وجدت كاظم ذلك اليوم (أنيقاً)، وسعيداً، وكريماً طبعاً.. فأدركت في الحال أن أبا أمير اليوم (مليان)، وقبل أن اسأله، تحدث كاظم متباهياً، وهو يقول: أرسل لي اليوم المطرب عاصي الحلاني ألفي دولار كأجور أولية عن أغنية (ياناكر المعروف) التي كتبتها له، وسجلها قبل أيام قليلة..
فقطعت عليه مباهاته، وزهوه، وقلت له بطريقة لئيمة:
– ومن يكون عاصي الحلاني؟
فقال: إنه مطرب لبناني جديد (بس خوش ولد كلش)!!
قلت: لكن الفي دولار، مبلغ كبير على نص واحد!!
فقال كاظم: (لا يابه هاي أول دفعة).. والرجل وعدني بدفعات مالية أخرى..!!
وبعد عامين ألتقيت بكاظم السعدي مرة اخرى، فسألته عن صاحبه عاصي الحلاني، بعد أن اشتهرت أغنية (ياناكر المعروف) كثيراً، فقال كاظم بفخر:
(أووووه، يبدو أنك لا تعرف..)؟
قلت: لا والله!!
قال: عاصي إستضافني في بيروت، وأكرمني كرماً عظيماً وبات يرسل لي مبالغ مالية بين الحين والآخر
قلت له: أكل هذا من أجل نص غنائي بسيط جداً؟
فقال كاظم: (تريد الصدگ، مو بس على النص).. إنما الرجل يقول أنا عراقي، وجذري عراقي نابت في أعماق تربة الحلة..
فقلت له: أوتظن أن هذا الحب يعود لأصوله العراقية؟
قال: نعم، إنه يحب أي شيء فيه اسم العراق، وفيه رائحة العراق..لذلك تجده غنى نصاً ولحناً عراقيين، والرجل لا يفوت أية فرصة لذكر إسم العراق، وتحية شعب العراق، والتغني ببطولات العراقيين وتاريخهم.
بعد ذلك غادرت الأردن، ثم أنقطعت بيننا السبل..
لكن ما قاله السعدي عن عاصي الحلاني ظل في ذاكرتي راسخا لم يتزحزح قط.. لذلك لم يكن مفاجئاً لي حين شاهدت (فيديو) لعاصي الحلاني قبل سنتين أو ثلاث، وهذا الفيديو(موجود الآن في اليوتوب)، حيث يتفاخر فيه الرجل بعراقيته على الرغم من أنه – وهو النجم الكبير- ليس بحاجة لذكر ذلك، ولا أن العراق بوضعه الحالي، يملك ما يطمع فيه الحلاني، أو غيره، كي يدعي كذباً بأصله العراقي، بل إننا وجدنا العكس من ذلك، حين رأينا الكثير من العراقيين يتخلون عن (عراقيتهم) سواء أكان هذا التخلي بالهوية أم بروح الإنتماء، أم بعدم الوفاء للعراق!!
أتذكر أن أحد زملائي في الجريدة سألني قبل مدة وجيزة – بإعتباري قريباً من الوسط الفني- عن مدى صحة عراقية الفنان عاصي الحلاني، بعد أن رآه في برنامج (ذا فويس) يشيد بالعراق علناً، ويمتدح الشعب العراقي جهاراً، بينما يعرف عاصي أن القناة التي يتحدث منها قناة سعودية.. ويعرف كذلك أن السعودية تكره العراق، وتحقد على شعب العراق..
لذلك ترى (غيره) يصمت صمت القبور، ولم يقل كلمة واحدة بحق أبطال الحشد الشعبي، ورجال مكافحة الإرهاب الميامين، الذين سقوا جحافل داعش كؤوس الخيبة، وراحوا يحررون الأرض شبراً شبراً. وقتها لم أجب زميلي عن (صحة عراقية عاصي)، لأني بصراحة لم اكن أملك عن هذه القضية ما يكفي لتأكيد ذلك.. لكني، وبعد أن رأيت الرجل قبل يومين، عبر البرنامج ذاته والقناة ذاتها (السعودية)، وهو يكاد يبكي من فرط حبه وعشقه للعراق، حتى راحت الكلمات الدافئة، والعبارات الوفية تتدافع فوق لسانه المعطر بحب العراق، وكل كلمة وعبارة تدفع الأخرى لتخرج الى الناس.. ساعتها أدركت دون الحاجة الى سجل نفوس، أو بيان ولادة، أن الرجل عراقي من الوريد الى الوريد.. ولا يهم إن كان أصله من الحلة، أو من البصرة، أو من اللاذقية، أو الضاحية الجنوبية، أو البقاع.. فالمحبة العراقية تلمع بين عيونه النجيبة، لأنها ليست فقط جنسية يستبدلها بجنسية (سعودية)، ليصبح بين ليلة وضحاها(سعودي مصلصل من عمه وخاله)!!
لقد فرحت كثيراً (بعراقية) عاصي الحلاني، وحزنت كثيراً (لعدم عراقية غيره)، رغم أن المسافة لم تكن بينهما أكثر من ثلاث خطوات..
إذن.. رحبوا معي (بالعراقي) عاصي الحلاني..

