فالح حسون الدراجي
تلقيت هذه الرسالة أمس.. وسأنشرها اليوم كما هي دون حذف أو إضافة..
** ** **
الى العراقي الأصيل فالح حسون الدراجي
إعتدنا النقد القاسي حين يكون (المُنتقد) يستحق النقد، لكننا لم نعتد للأسف على (المديح العالي)، عندما يستحق الممدوح ذلك، اللهمَّ إلاَّ إذا كانت لدينا عنده حاجة.. لكني اليوم أريد أن أمتدح هيئة التقاعد، بعد أن إنتهت حاجتي عندها، ويشهد الله على صدق كل حرف فيه.. على الرغم من إني لست كاتباً، ولا إعلامياً إنما أنا مواطن عراقي خدم بلاده خمسين عاماً في قطاع وطني محترم، أقصد قطاع السكك..
وإذا كنت قد قضيت في هذه العمل الشريف هذه السنين الطويلة، فإني قضيت في سوح النضال الوطني والطبقي سنوات غير قليلة، موزعة مابين التظاهرات، والإضرابات، والسجون، سواء كانت في (نگرة السلمان) التي قضيت فيها سبع سنوات عجاف، أم في بقية سجون ومعتقلات الدكتاتورية البعثية..
المهم في هذا الأمر، أن كل هذه الإعتقالات لم تبعدني عن الفخر بمهنتي كعامل عراقي، يعمل، ويكدح بشرف، ليتسلم آخر الشهر راتبه الحلال بفرح غامر..
واليوم حيث تمت إحالتي الى التقاعد، فقد شعرت أولاً بفرح وسرور، لأني سأحظى أخيراً بفرصة الحياة المشتركة مع أهلي وأصدقائي التي حرمت منها طويلاً.. لكني شعرت في نفس الوقت بقلق، وخوف شديدين، نتيجة لما نسمعه من روايات، وما يتناقله الناس من أخبار سيئة عن هيئة التقاعد وما يحصل فيها (كما يقال) من رشاوى مبطنة، وروتين مدمر، وضياع لمعاملات المتقاعدين، وتأخير متعمد في صرف المكافآت والفروق بل والرواتب التقاعدية أيضاً.. لذلك كانت معاملات التقاعد تضرب بالأمثال في الروتين والتأخير!! ..لكني توكلت على الله ومضيت الى هناك.. وكي لا أطيل عليكم السرد، فقد إنتهت معاملتي بثلاثة أيام فقط، وتسلمت هويتي التقاعدية دون أن أدفع فلساً واحداً، أو أوسط أحداً.. فأنا رجل بسيط لا واسطة لديه، ولامعارف عنده.. وحتى أسمي الأشياء بأسمائها، أود أن أشكر الذين ساعدوني، وأنجزوا معاملتي بوقت قياسي، وأنجزوا أيضاً معاملات العشرات من المتقاعدين الذين كانوا مثلي في ذلك اليوم.. وأول الذين يستحقون الشكر رائد ضامن قاسم مدير القسم المدني الثاني..
فهذا الرجل أشبه بملاك يمشي على قدمين.. يملك طيبة ونقاء ونزاهة ورحمة مفرطة، ما وجدت مثله في كل دوائر العراق. فالرجل يستقبل الجميع بإبتسامة دافئة، ومودة صادقة، لا تمثيل فيها، ولا إدعاء.. يخرج من جيبه أحياناً مبلغاً من المال يدسه في جيب شيخ، أحنى ظهره العوز والحاجة، ويضع مبلغاً بسيطاً بيد إمرأة عجوز لا تملك ما يكفي لتعود به الى بيتها في ميسان.
لقد راقبت هذا المدير ثلاثة أيام، ولم أره يجلس خلف مكتبه أكثر من دقيقتين أو ثلاث.. فهو واقف طوال الوقت خارج المكتب من أجل معاملات الناس، أو تراه يقود مراجعاً من يده ليذهب به الى الموظف المختص الذي لديه معاملة هذا المراجع، فيطلب منه الإسراع بإنجازها، ناهيك عن مساعدة بعض المواطنين رغم أن معاملاتهم لدى أقسام أخرى.. لذلك أرجو منكم أن تحفظوا إسم رائد ضامن قاسم، لأنكم ستشكرونه في يوم ما بعد أن ينجز معاملاتكم التقاعدية بسرعة ودقة وإحترام.. وبلاش أيضاً!!
وللحق فقد تمنيت أن أعرف أسماء الموظفين الآخرين الذين تناوبوا على إنجاز معاملتي في هيئة التقاعد، لأشكرهم واحداً واحداً، لكني للأسف لم أستطع ذلك.
وكي أكون أميناً على نقل هذه الرسالة، يتوجب عليَّ ذكر رئيس هيئة التقاعد العامة أحمد عبد الجليل حسين.. فلولا وجود هذا المدير الأمين، لما تمكنت هيئة التقاعد من قلب صورتها المظلمة، وتحويلها من الأسود الى اللون المشرق الجميل. صحيح أني لم ألتق بالرجل، لكن الجميع يتحدث عنه بإحترام وتقدير. وهذا أمرٌ لم يحدث في تاريخ مدراء التقاعد من قبل..
أخيراً وددت ان الفت النظر الى أفراد الحماية الأمنية لهيئة التقاعد، بعد أن رأيت لديهم إنضباطاً ممتازاً، بل وشديداً أحياناً، لكنه إلتزام مرن، ذو اسلوب مهذب، يراعي فيه أعمار الناس، ويحترم كرامتهم، وشخوصهم، وهذا ما لمسته بنفسي.. وقد رأيت مدير قوة الحماية في هيئة التقاعد واقفاً بين الناس، وحين جئت اليه لأشكره على هذا الأداء الرائع، أعتذر الرجل بمودة وخجل قائلاً:-حجي ترى هذا واجبنه، وما نستحق عليه شكر..!!
إنه المقدم علي جبار جادم آمر قوة حماية هيئة التقاعد العام/ قاطع الصالحية
المواطن
صباح عبد الحسين الجوراني
البياع / بغداد

