الإفتتاحية

الإعلام السعودي.. والإعلام الإيراني

فالح حسون الدراجي

 

لا يختلف اثنان، على أن السعودية وإيران عدوان شديدا العداوة لبعضهما، وأن لهذا العداء المتبادل والكراهية المشتركة، جذوراً قوية، وأسباباً عديدة، لا يمكن قلعها بسهولة. لذلك نجد أن هذا العداء يتجدد بينهما للأسف الشديد، كلما ظننا أنه اضمحل وانتهى، وأن التنافر بينهما يعود، كلما اعتقدنا أن هذا التنافر زائل دون رجعة. 

 وبطبيعة الحال، فإن هناك قوى، وزعامات، ومصالح، وارادات خارجية وداخلية نافذة تسعى لتعميق الخلافات بين البلدين، فهي تصب الزيت على نار الشقاق بينهما، كلما شعرت أن جمر الخلافات بدأ يخمد، وناره تخبو..

وقبل الخوض في أي موضوع يتعلق بالصراع السعودي الإيراني المنعكس على أمن وسلام المنطقة برمتها، يجب علينا أن نعرف أن الاحتكاك بين البلدين قد اتخذ أشكالاً، وساحات متعددة، وصل بعضها الى التصادم في بيت الله نفسه.. ناهيك عن الحروب والمواجهات المسلحة التي تحدث بينهما – وكالة – في العراق وسوريا واليمن ولبنان والبحرين، بل وصل الأمر الى أبعد المناطق والدول، مثل باكستان وأفغانستان وغيرهما.

فالسعودية التي ترعى (بالمال والبنين) داعش، والقاعدة، والنصرة، وعشرات الجيوش والمنظمات الإرهابية الوهابية المسلحة التي تقتل، وتدمر، وتفجر البلدان التي تعتقد السعودية أن من الممكن أن يأتي منها (الخطر الإيراني)، يقابلها في ذلك، العون والرعاية الإيرانية التي تقدم الى الجيوش الوطنية، وحشود التصدي الشعبي، في جميع الدول والأراضي التي تتعرض للإرهاب الطائفي، فتساعدها بالسلاح والمال على مقاومة الشر.. وهنا يجب أن تتوضح الصورة، ونعرف الفوارق بين هذين البلدين..

ولعل من المفيد ذكره هنا أن عمليات الشراء التي تقوم بها السعودية لذمم رؤساء وزعماء الدول والأحزاب والفاعليات النشيطة في المنطقة والعالم، هي صورة من صور الصراع مع أيران.. وما مليارات الدولارات التي تدفعها السعودية رشى، وهدايا، وصفقات سلاح لا فائدة ولا نفع منها إلاَ من أجل توظيفها ضد توجهات ايران..

ومع كل هذه الجهود السعودية في شراء الذمم، ودفع الرشى، تقوم السعودية أيضاً بعمليات (تثقيف طائفي) نشيطة في الدول الإسلامية، عن طريق بناء الجوامع والمراكز الدينية، وتأسيس مشاريع وجمعيات خيرية عملها الرئيس يقوم على نشر الفكر الوهابي وتعميم ثقافة القتل والإرهاب والتشدد الطائفي في تلك الدول.. وهي صورة أخرى من صور هذا العداء، أو الصراع مع ايران. فضلاً عن الآلة الإعلامية الفخمة التي تملكها، أو تستأجرها المملكة في المنطقة العربية والعالم. فعلى سبيل المثال، عرضت قناة (السي أن أن) الأمريكية يوم السبت الماضي تقريراً مصوراً بدقة من داخل مدينة العوامية (الشيعية) في المملكة السعودية، وقد ظهر فيه المراسل الأمريكي الشهير : 

Nic Robertson 

 وكأنه يقوم بالتجول في مدينة تدخل حرباً، وليس مدينة بائسة حزينة لفقدان واحد من رموزها الدينية. فقد أظهر التقرير المدفوع ثمنه، وكأن (العوامية) باتت بؤرة من بؤر الإرهاب الشيعي الذي تواجهه حكومة الرياض المسكينة بعد إعدام الشيخ النمر..!!

ونفس الصورة البائسة يقدمها الأعلام الأمريكي، والبريطاني، والفرنسي، وبقية وسائل الإعلام الأخرى عن المشهد السياسي والأمني في المنطقة..  إن السعودية التي أشترت قنوات عالمية كبيرة، وصحفاً اوربية تاريخية لا يتوقع أحد أن تنطق في يوم ما دفاعاً عن نظام لم يزل يعدم بالسيف، ويمنع المرأة في حقها بسياقة السيارات.. نجحت في قلب الحقائق للأسف، حتى بات الحق باطلاً والباطل حقاً. ولولا قناة (روسيا اليوم) الناطقة بالإنگليزية، وقناة (الميادين) الفضائية، وقناة العالم بإمكاناتها المادية والفنية المحدودة لما ظهر للحق الإيراني بشكل خاص، والشيعي بشكل عام أي صوت في العالم.

وللدلالة على ما نقول، دعونا ننظر لموضوع إعدام الشيخ النمر رحمه الله، فهذه الشخصية الدينية والفكرية المسالمة، والرجل الذي لم يطلق رصاصة واحدة في حياته، ينال حكماً ظالماً بالإعدام من حكومة السعودية، وبدلاً من أن يتظاهر الملايين في شوارع (العالم الحر والإنساني) رأيناها تتظاهر ضد حرق السفارة السعودية في طهران.. !!

أرأيتم كيف تنعكس الحقائق، وتتغير الصور بسبب الإعلام؟

ختاماً أقول، أن مشاهد الاحتجاجات الرسمية والإعلامية في البلدان العربية، وبيانات الاستنكار والتنديد من الجامعة العربية، ومختلف الأحزاب العالمية والشخصيات المهمة ضد حرق سفارة السعودية في طهران، هو انتصار سعودي، ما كان يتحقق قط لولا إعلام السعودية النشيط، المتمثل بعدد كبير من القنوات والصحف العربية والأجنبية وليس في دبلوماسيتها البائسة فقط!   فمتى تتعلم ايران الدرس، وتلتفت للإعلام؟

لاسيما وأن (فلوس) ايران لا تقل عن (فلوس) السعودية!!

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان