لويس العمار
الاقتصادية والتجارية في مدينة بغداد بنهر دجلة لتشكل معه ثنائية تنبض بالحياة وصورة من صور مدينة ما انفكت تثير دهشة من يتأملها لما تحتويه من ثراء وعمران ضارب في القدم والأصالة معا.. إذ على ما يبدو لايمكن بأي حال من الأحوال فصل النشاط التجاري والاقتصادي للمدينة عن النهر إلا ما ندر.. ولعل أوضح مثال على ذلك هو سوق شارع النهر الذي كان ولا يزال برغم الإهمال الذي طاله في السنوات الأخيرة, من أهم الأسواق التجارية والتراثية في مدينة بغداد.. ولكونه سوقا متخصصا بكل مايلزم سيدات المجتمع البغدادي وبناته وعرائسه الفاتنات, ابتداء من فساتين الزفاف البيضاء المطرزة بالفرح ومرورا بالإكسسوارات المكملة لزينة العروس وانتهاء بالحلي والمصوغات الذهبية , فقد سمي أيضا بـ (شارع البنات) و( شارع العرائس) .. ويمتد شارع النهر – وهي التسمية الأكثر شعبية لهذا السوق النسائي – بامتداد نهر دجلة (ودجلة كانت ولازالت وستبقى أجمل عرائس بغداد على مر العصور) ابتداء من المدرسة المستنصرية -بخطى ملتوية مغناج ورشيقة كسير جارية عباسية في باحة منزل سيدها – وصولا إلى مقتربات جسر الأحرار بجانب الرصافة .. (( هل قال الشاعر البغدادي علي بن الجهم بيته الشعري الشهير :
عيون المها بين الرصافة والجسر
جلبن الهوى من حيث ادري ولا ادري
هنا تحديدا عند مشارف سوق البنات ذوات العيون الشبيهة بعيون المها)) ؟. من يدري .. ربما؟! وبرغم وقوع سوق شارع النهر بين معلمين من معالم بغداد يتمتعان بكل شيء وبإمكانهما أن يصرفا النظر عن أي شيء غيرهما وهما شارع الرشيد ونهر دجلة , إلا أن شارع النهر استطاع بما يمتلكه من خصوصية فريدة وتميز عن غيره من أسواق بغداد الأخرى , أن يكوّن شخصيته المستقلة ليصبح منافسا حضاريا وجماليا لهذين المعلمين.. ويكاد يكون شارع النهر قد خلق خصيصا منذ زمن غابر ليكون سوقا للسيدات فقط.. (( لاحظوا التسميات المؤنثة لشواخصه المهمة والكثيرة :- خان الدلة , خان النملة , خان النبكة , خان العادلية , التكية الخالدية , جامع العادلية الكبير))وغيرها. لا ادري من جذب الآخر إلى هذا المكان, الخياطون النسائيون وصاغة الذهب والفضة , أم حسناوات بغداد الجميلات ؟ حيث فتح الخياطون من أمثال زيدان المصلاوي واحمد عبد الله .. وصاغة الذهب من أمثال عبد حسن دحام وزهرون وخليل مال الله , محال لهم في الشارع وعرفوا بأنهم من أشهر الحرفيين هناك كل في مجال عمله.. ناهيك عن محال الانتكيات والتحف والسجاد الثمين الذي كانت زخارفه وألوانه تسحر عيون السياح الملونة أصلا .. كما يضم الشارع معامل وورش كثيرة لصنع الحقائب والأحذية النسائية والتي كانت تنافس المنتجات الأجنبية المستوردة لكونها مصنوعة من جلود عراقية مميزة وأيدي حرفيين طالما عرفت ببراعتها خصوصا أنها كانت تصنع منتجاتها للجنس اللطيف الذي يتمتع بغريزة رؤية الثمين والجيد والجميل .. هل بقي الآن شيء من الق وروحية وتفرد شارع النهر عن غيره من الأسواق؟ الجواب ومن دون جهد كبير في التفكير هو لا, نتيجة للإهمال الذي طاله حاله حال كل ما يميز بغداد من خصوصية وتفرد وكأن هنالك أيادي خفية يسوءها أن ترى تفتح أزهار الجمال في ربوع بغداد . فهي ماضية في قتل كل شيء جميل بخطى ثابتة مقابل صمت وسكوت عن هذا الخراب.. ترى من يعيد لشارع النهر وهجه القديم وضحكات عرائسه المشوبة بحمرة الخجل وهي تنتقي فستان زفافها و(نيشان) عرسها..









