أوركسترا الوجع السومري وسادنُ (الناي) العتيق
أياد النصيري
بين طين ميسان الذي جبلت منه أولى أبجديات الوجود وبين زفرة -الناي- حين تستحيل رئةً ثالثةً للوطن تنبثق تجربة الفنان كريم صدام الساعدي لا بوصفها مجرد تراكمٍ لنوتات موسيقية بل بوصفها -مدونةً وجودية- كُتبت بالدمع والضوء
إننا أمام مبدعٍ لم يتعامل مع اللحن كزينةٍ عابرة، بل كـ (سادنٍ لرماد الروح العتيقة) استطاع ببراعة السيميائي أن يستقطر من ملوحة الأهوار ترياقاً للجمال ومن صمت البردي ترانيم عابرة للحدود. في كنف ألحانه يتحول الزمن إلى مساحةٍ من الشجن السومري النبيل حيث يلبس النغم عباءة (الدراما) التي استعارها من خشبات المسرح ويتقلد الناي وسام البطولة في حكاية الإنسان العراقي المعاصر.
هذه القراءة ليست مجرد استعراضٍ لسيرة بل هي (إبحارٌ في ملكوت) رجلٍ جعل من حنجرة القصب بوصلةً للوجدان ومن مذهب الحداثة الأصيلة محراباً لخلود الهوية. إنها محاولة لفك شفرات تلك الأنفاس التي لم تترك آلةً إلا ومنحتها قبساً من روح (الجنوب العظيم) ليبقى الساعدي –حتى في ذروة سكونه– المايسترو الذي يقود أوركسترا الحنين في ذاكرة الرافدين
ثمة فنانون لا يعزفون الموسيقى بل يفتحون نوافذ للروح لكي تتنفس. وحين يكون الحديث عن كريم صدام الساعدي فنحن لا نتحدث عن مجرد عازفٍ أو ملحن بل عن (سيمياء) خاصة استطاعت تحويل طين ميسان وبردي أهوارها إلى نغماتٍ عابرة للزمن. إنه الفنان الذي لم يكتفِ بمصادقة الآلة بل جعل من الناي حنجرةً بديلة لقلوبٍ أنهكها الحنين ومترجماً وفياً لزفرات الجنوب العراقي العظيم
لم تكن انطلاقة الساعدي من خشبة المسرح عام 1974 مجرد صدفة زمنية بل كانت (المعمار الأول) الذي شيد عليه رؤيته الفنية. المسرح علّمه كيف يقرأ ملامح الصراع الإنساني وكيف يجسد الدراما في أعمال مثل (المصيدة) و(القاعدة والاستثناء) هذا التأسيس جعل ألحانه اللاحقة –التي تجاوزت السبعين عملاً– لا تقف عند حدود التطريب بل تتحول إلى نصوصٍ صوتية نابضة بالحياة حيث تلبس النوتة ثوب الممثل ويغدو اللحن حكايةً تروي صراع الفرح المستحيل مع الحزن المقيم.
في كفّي الساعدي يكفّ الناي عن كونه قصبةً جوفاء ليصبح امتداداً بيولوجياً لأنفاسه. لقد استطاع (أبو الفنون) أن يحرر هذه الآلة من رتابة الأداء التقليدي ليجعلها تئنّ بوجع (العمارة) وتشمخ بكبرياء النخل. إنها موسيقى (مبللة بماء الهور) تعيد صياغة الهوية العراقية بذكاءٍ فطري ففي كل (قفلة) لحنية تجد نفسك أمام لوحةٍ فلكلورية تشمُّ فيها رائحة الأرض وتسمع فيها صدى (المشاحيف) وهي تشقّ عباب الوجدان.
تجلى حضور الساعدي كملحن ملحمي في قدرته الفريدة على تطويع (المقام العراقي) وتوظيفه في قوالب معاصرة تخاطب وجدان الأجيال الجديدة دون أن تفرّط في قدسية الأصالة. بين دماء الحماسة في أناشيده الوطنية مثل (هذا العراق) و(أفعال الرجال) وبين شجن اللوحات الوجداني، ظل الساعدي مايسترو التوازن الصعب حيث البساطة الممتنعة التي تلتصق بالذاكرة والرصانة التي تليق بعمق النغم العراقي
لم يكن الساعدي يوماً من سكان الصوامع العاجية بل آمن بأن الفن فعلٌ اجتماعي ونضالي. حضوره الفاعل في نقابة الفنانين وجمعية الموسيقيين وحصوله على الدكتوراه الفخرية لم يكن إلا تتويجاً لمسيرة رجلٍ نذر حياته لحماية المبدعين ومأسسة الجمال. إنه الفنان الذي أثبت أن (المسؤولية الإدارية) يمكن أن تكون وجهاً آخر للإبداع حين يقودها قلبٌ فنان
رغم ترجله عن صهوة الوظيفة عام 2020 إلا أن إبداع الساعدي ظل نهراً لا يعرف الجفاف فالفنان الذي يحمل في صدره أنفاس العمارة لا يصمت. كريم صدام الساعدي اليوم يمثل (المرجعية الفنية) التي يستند إليها الجيل الجديد هو حارس النغم الأصيل فالأشجار التي تضرب جذورها في عمق التاريخ السومري لا تكفّ عن طرح الثمر. أن الفنان الحقيقي هو من يترك خلفه –أثراً– يتردد صداه في براري الجنوب ونغمةً تظل تطوف في فضاءات الوطن كصلواتٍ لا تنتهي
إضاءة على المسيرة
الاسم الكامل: عبد الكريم صدام هاشم الساعدي
تاريخ التكوين: 1974 (فضاء المسرح) – 1996 (عالم التلحين)
الرصيد الجمالي– أكثر من 70 لحناً، وبصمة ريادية في كبرى المؤسسات الفنية العراقية









