فالح حسون الدراجي
في كل جمعة ينطلق المتظاهرون الى ساحة التحرير في بغداد، والى ساحات الحرية في أغلب محافظات العراق، يحملون مطالب شعب ذاق الأمرين من تولي (الإسلام السياسي) مقاليد جميع السلطات في البلد. فنجح ممثلو هذا الخليط الهجين نجاحاً عظيماً في تدمير البلاد، سياسياً، وثقافياً، واجتماعياً، واقتصادياً، وعسكرياً، وجغرافياً، وأخلاقياً أيضاً.. لقد تحول العراق بفضل القيادات السياسية التي حكمت البلاد منذ سقوط حكم صدام حتى هذه اللحظة من (بلد عظيم) الى (بلم غريق)، ولكم أن تقدروا حجم الكارثة حين يتحول (بلد) عملاق مثل العراق الى (بلم) غريق؟ يتمنى فيه الناس العودة الى الشاطئ، حتى لو كان هذا الشاطئ -للأسف- شاطئاً جهنمياً، قمعياً، دكتاتورياً، استعمارياً، صهيونياً، إمبريالياً.
نعم، لقد بات الناس هذه الأيام يتمنون أي نظام سياسي يُخرجهم مما هم فيه من ظلم وذل، وفقر، وتردٍ في مجالات الحياة كلها.. بعد أن يئسوا من قضية الإصلاحات، وانتهوا من الآمال والوعود في انتظار (غودو)، الذي يبدو أنه لن يأتي ما لم يبادروا بأنفسهم لإنقاذ واقعهم، وصناعة غدهم الأجمل ..وقطعاً فأنا لا أحتاج لذكاء عظيم كي أسطر هنا عشرات الأسباب التي تدفع الناس الى التظاهر والاحتجاج، ومواصلة زخمهما، حتى لو تطلب الأمر، الخروج لساحات الحرية سنوات وسنوات، لاسيما وأن الذين يتظاهرون اليوم هم طليعة المجتمع العراقي، وعنصر قوته، وسطوعه ايضاً. فأغلبهم من الذين يعول عليهم الكثير في الميادين الديمقراطية، والنضالات السلمية، ولعل من المفيد ذكره هنا أن لبعضهم خبرات، وتقاليد تاريخية عميقة في البنية النضالية الوطنية الممتدة الى أكثر من ثمانين عاماً..
أن آمالنا بشروق مستقبل عراقي زاهر، تتجدد كلما رأينا يوم الجمعة في ساحة التحرير، وفي ساحات الحرية، هذه الجموع الوطنية الهادرة، وهي تطلق من حناجرها الواثقة أناشيد التغيير، والإصلاح الحقيقي، وترفع لافتات التطهير التام من أوبئة الفساد- بمختلف أشكاله- فتهز بأصواتها القوية الصادقة، عروش الظلام، وكراسي اللصوصية، ومراكز الفساد، مسقطة عن نفسها وساوس اليأس والخوف والتقاعس، والاتكال على الغير..
أنا أعرف أن بعض الساسة، والزعماء الفاسدين يعوِّلون كثيراً على تراجع اعداد المتظاهرين في ساحات الحرية، فهم يقومون بإحصاء، وقياس هذه الأعداد في كل تظاهرة جديدة بالقلم والمسطرة، مؤملين أنفسهم الخائبة، بتناقص اعداد المتظاهرين في بعض (الجُمَع)، أملاً بتوقفها التام مستقبلاً، معتقدين أن الأعداد المتظاهرة في الساحات هي كل رصيد الشعب العراقي المعارض لفسادهم، أو قد يظنون أن هذه الأعداد المتظاهرة، هي كل (عتاد) الحرب الوطنية مع الفساد، متناسين- أي الساسة- أن (مخازن) عتاد الحرب مع الفساد، والفاسدين متوفرة في كل بيت عراقي، وكل حي ومنطقة عراقية اكتوت بنار هذه الزمر السياسية والسلطوية الفاسدة. وهذا يعني أن ملايين العراقيين مشاركون- أوتوماتيكياً- في هذه التظاهرات الوطنية، حتى لو لم يخرجوا الى الساحات، ويدخلوا إحصاءات الزعماء السياسيين الفاسدين! لقد بقيت التظاهرات صامدة، وقوية، وناجحة رغم الظروف الصعبة التي تعرضت لها، وأظن أن ثلاثة أسباب وقفت خلف استمراريتها، وهي:
*استمرار الأسباب التي خرج العراقيون للتظاهر من أجلها، وهي تبدأ من لقمة العيش المُرَّة، وأمن المواطن، ولا تنتهي عند كرامة الوطن المهدورة.
*ديناميكية الشعب، ودرجة وعيه، وإحساسه بالظلم والضيم، سبب مهم من أسباب استمرار التظاهرات الوطنية..
*نجاح التكتيك المستخدم من قبل المتظاهرين، سواء في محاولة توحيد الأهداف والشعارات والهتافات، وتقريبها من بعضها، أو في التوجه مباشرة نحو المرجعيات الدينية بمختلف مقاماتها، وبطبيعة الحال فإن المرجعية الرشيدة في النجف الأشرف وقفت مع التظاهرات منذ اليوم الأول لانطلاقها. لكن اللقاء بالمرجعيات الأخرى، والتباحث معها ساهم كثيراً في ادامة زخم التظاهر. إن التوجه الى بعض القوى- بما فيها القوى الإسلامية- ودعوتها للاشتراك في التظاهرات جنباً الى جنب مع القوى الديمقراطية، والتقدمية، قد رفع من درجة التفاعل مع مشروعيتها، وأبعد التظاهرات، والمتظاهرين عن أية تهمة قد يحاول الأعداء توجيهها لهم.. وأعتقد أن توفر عنصر التطور والتجديد، والتنوع في الأساليب المستخدمة للمتظاهرين قد ساهم كثيراً في الحفاظ على ديمومة التظاهرات، وهو الأمر الذي سيقرّب موعد انتصارها المتمثل بتحقيق الأهداف كاملة..
وإذا لم تستجب السلطات الحكومية لكامل مطالب المتظاهرين حتى الآن، فهذا يعني أن التقصير في منهج الحكومة وليس في منهج وأداء التظاهرات. الأمر الذي سيجعل من ساحة التحرير محجاً لكل الأحرار، وموقعاً وطنياً تقصده الملايين كل جمعة مباركة ..

