فالح حسون الدراجي
سألني صديقي أمس (معاتباً) عن سبب كتابتي للمقالات الرياضية ونشرها كافتتاحيات لجريدة الحقيقة، في الوقت الذي تزدحم فيه الساحة العراقية هذه الأيام بالمشاكل والمعوقات والتجاوزات، والقضايا السياسية، والاقتصادية، والأمنية الساخنة والخطيرة ايضاً. وهذه القضايا المهمة -كما يقول صديقي- تحتاج الى معالجات لا تأتي إلاَّ بأقلام كتاب محترفين، لهم تجربة مناسبة في العمل الصحفي، وخبرة معقولة في المجال السياسي ايضاً، إضافة الى بعض المؤهلات الأخرى، وأنت- والكلام لم يزل لصديقي- واحد من هؤلاء الكتاب الذين تتوفر فيهم مثل هذه المزايا. ثم أكمل قائلاً: إن مكان المقالات الرياضية كما هو معروف في الصحف الرياضية ومكان المقالات السياسية في الصفحات السياسية، أما الافتتاحيات فهي المكان الأنسب للقضايا السياسية والأمنية والمعيشية وغيرها من تلك التي تتعلق بالحياة اليومية للمواطن العراقي..
قلت له: وهل تظن أن الرياضة بعيدة عن مفردات الحياة اليومية للمواطن العراقي، فتظن أن هذا المواطن لا ينام الليل قبل أن يقرأ مقالة سياسية، ولن يتناول فطوره قبل أن يعرف ماذا صرح أمس ظافر العاني، وماذا ردَّت عليه اليوم حنان الفتلاوي..لا يا صاحبي أنت مخطئ تماماً، فالناس لم تعد تهتم بالسياسة، ولا تحترم نسبة كبيرة من السياسيين، والأسباب معروفة لك؟
فأجاب صديقي قائلاً: لم أقل أن الرياضة ليست مهمة لدى المواطن العراقي لكنها حتماً ليست الشيء الأهم الذي يستحق أن نتفرغ له كلنا، فيصِل الأمر الى أن نمنحه حق المقال الافتتاحي السياسي، الذي ينتظر منه القراء أجوبة شافية لأسئلة كثيرة تشغل فكرهم المزدحم.. ولا يستحق أن يموت بسببه عشرات المواطنين، نتيجة إطلاق العيارات النارية، ابتهاجاً بفوز منتخب العراق الأولمبي على منتخب جزر المالديف الأولمبي؟
ثم أكمل قائلاً: أعتقد أن القضية لا تتعلق بمناكدات ظافر العاني وحنان الفتلاوي، فهي أكبر وأخطر من ذلك. خاصة وإننا الآن في منعطف تاريخي وجغرافي ووطني خطير، فأما أن ننحدر نحو الهاوية لا سمح الله، فتنثلم الخارطة العراقية في أكثر من مكان، وأما أن ننهض ونتجاوز المحنة بكل اشكالاتها الاقليمية والوطنية. وثق أن الرياضة ليست أهم من السياسة، ولا أهم من الأمن ورغيف الخبز، وتحرير المدن العراقية المحتلة، فما فائدة كأس آسيا، إذا كانت الموصل محتلة من قبل داعش، وما فائدة الوصول الى نهائيات البرازيل، إذا انخفضت أسعار النفط، وتوقفت رواتب الموظفين بعد شهر آذار كما يقول الأعرجي، وما الذي نجنيه من مكاسب، إذا فاز العراق على قطر في الرياضة، وخسر معها في السياسة؟
قلت له: أن تحليلاتك للأمور تضحكني.. والمقارنة بين الرياضة والسياسة عندك، أشبه بالمقارنة بين (الچلاق وراس الجسر). فأنت لا تعرف كيف تقرأ حياة الناس في العراق، ولا تعرف عواطفهم، ومزاجهم، وتفكيرهم، إذ يبدو لي أنك تتحدث عن كوكب آخر، وليس عن كوكبنا العراقي. وبالمعنى الشعبي (أنت تخوط بصف الاستكان).. وإلاَّ كيف تلقي بحماقات مطلقي العيارات النارية بمناسبة فوز المنتخب العراقي على عاتق أهل الرياضة، بينما أنت تعرف أن العراقيين يطلقون ملايين العيارات بالهواء لأي سبب، وأية مناسبة، حتى لو كانت فوز الطوبچي على الگريعات بلعبة المحيبس!
ثم أكملت حديثي قائلاً له:
لا يحق لك أن تعتبر الرياضة ترفاً، أو تعدها من الكماليات التي يمكن شطبها، أو تأجيلها الى ما بعد طرد داعش من المدن العراقية، أو الى ما بعد ارتفاع أسعار النفط، والرياضة بنصاعتها، وبياضها اشرف من (زواغير) السياسة المظلمة، وأطهر من صفقات المال والاقتصاد الحرام التي تجري في الغرف السرية، وأزكى من تصريحات ظافر العاني، وهو يتحدث بلسان طائفي وسخ عن الحشد الشعبي.. لقد باتت الرياضة اليوم محط اهتمام العالم المتقدم، ومحل تقدير البشرية بأجمعها.. وكل من يرى الرياضة خلاف ذلك، عليه أن يصحح رؤاه، ويعدل في أفكاره العتيقة، فالمنطق يقول أن الشعوب المتطورة رياضياً تملك الحق في الدخول لنادي العصر الحديث قبل غيرها.
أما مقالاتي التي أسميتها بالمقالات (السياضية)، فهي مزيج من الهواجس السياسية الوطنية، والواقع الرياضي. وقد كان لي عمود يومي في جريدة (سبورت تودي) قبل اثنتي عشرة سنة، وقد استمر هذا العمود لأكثر من سنتين دون توقف.. وأذكر أن رئيس تحرير هذه الجريدة الزميل علي رياح قد قال لي يوماً: أن سعر النسخة من جريدتنا ( 500) دينار، وهي تنفذ في المكتبات منذ الصباح، وأظن أن القارئ يدفع 250 دينار من سعرها إكراماً لروعة مقالتك (السياضية) اليومية..!!
لا شك أن شهادة الصحفي الرياضي المعروف علي رياح كافية لتأكيد قبول الناس لهذه المقالات!!

