فالح حسون الدراجي
قال لي: هل لك أن تساعدني في الهجرة الى أي بلد في الدنيا؟ ضحكت، وقلت له: أية نكتة سوداء هذه.. وأية مقارنة فنتازية مؤلمة.. أأترك أنا أمريكا بكل ما فيها من مغريات، ورفاهية، وأمان، ومتعة، وسلام، وكرامة، وأعود لحضن العراق نادماً، باكياً شاكياً، بينما تريد أنت الهجرة، والهرب من العراق الى أي بلد في الدنيا، بمعنى الهجرة الى المجهول، والسفر على طريقة الحظ يانصيب؟ قال: أنا أخوك وصديقك، فأرجو أن لا تتعامل معي (بالوطنيات)، وأن لا تفرض قياساتك على حجمي، فلكل إنسان طاقة معينة على التحمل والصبر، وأنا صبري قد نفد.. ألم تقل أم كلثوم (للصبر حدود)؟! ثم أكمل قائلاً: لقد انتهى العراق وانتهت الحياة فيه يا صاحبي!! قلت له: العراق لم ينته، ولن ينتهي. فالشعوب العظيمة ليست ديناصورات، حتى تنقرض بتقادم السنين، والبلدان العريقة التي عمقها سبعة آلاف عام من الحضارة، لا يمكن أن تنتهي باحتلال مدينتين أو ثلاث، والعواصم التاريخية لن تسقط، حتى لو اجتمعت على اسقاطها دول العالم قاطبة، وبالمناسبة، فقد سبق وأن اجتمعت دول العالم أكثر من مرة على اسقاط بغداد- حضارة، وشعباً، وتاريخاً- لكنها فشلت.. وثق بأن ما يمر به العراق اليوم من دمار، وخراب ودم واحتلال، وتآمر، وتناحر، وفساد، وتشرذم، وتراجع، ودعوات للتقسيم، ليس جديداً عليه، ولا على شعبه. فقد مرَّ العراقيون بمثله مرات عديدة من قبل.. ولعل ما فعله المغول التتر في بغداد قبل ( 758) سنة، لا يقل عما يفعله داعش اليوم من تدمير، وتخريب في جميع مفاصل الحياة لكن المغول ولوا الى خارج التاريخ، بينما بغداد ظلت حاضرة، وزاهرة. قال: ماذا يغريك في العراق لتعود اليه؟ قلت: فيه مسقط رأسي، ومسقط قلبي في أول وآخر عشق في حياتي، وفيه قبرا أبي، وأمي الغاليين، وفيه شاهدة قبر أخي الشهيد خيون.. ومعه سلسلة طويلة وعريضة من قبور الأهل، والأحبة، والأصدقاء.. والشهداء، كما فيه ضريح علي بن أبي طالب، وهذا لوحده إغراء عظيم.. قال: لا تتحدث لي عن الأضرحة، والمقامات، والقبور. أريدك أن تتحدث عن (البشر) الذين فيه، البشر الذين فيهم من يقتل أخته من أجل المال. والرجل الذي يقتل خال أطفاله، بسبب اختلاف الطائفة، والمسؤول الذي يسرق استحقاقات النازحين، وتخصيصاتهم المالية، فيموت بعدها عشرات الأطفال من برد الخيام القارس، الذي يحفر في العظام.. ثم قال: لا أعرف على من تراهن انت الآن، أو في المستقبل، والبلاد كلها خراب في خراب في خراب؟ قلت: بدون (وطنيات)، سأحدثك حسب الواقع الذي تراه بعينيك، والذي لا يمكن لك انكاره.. لكني قبل ذلك اسألك: ماذا يفعل الطبيب حين يجد أمامه جسداً منتهياً، عليلاً؟ قال: يتفحص نبضه اولاً، إن كان حياً أو ميتاً.. قلت: وماذا يفعل إن وجد قلبه نابضاً؟ قال: يبدأ بمعالجة أسباب تردي صحته.. قلت: إذن، العراق حي رغم كل النكسات الصحية.. فها هو قلبه ينبض.. وما دام العراق يملك (شهادة الحياة)، فهذا يعني أن علاجه، وشفاءه ممكن.. قاطعني صديقي، وقال: أين شهادة حياته.. وأين نبضه، إذا كان كل شيء فيه ميتاً؟ قلت: (خوش سؤال).. ألخص لك شهادة حياة العراق في ثلاث حقائق، لا يمكن لأحد إغفالها أبدا. والحقائق الثلاث التي تؤكد قوة نبض العراق وسلامته، تتمثل أولاً في وجود المتظاهرين في عصر كل يوم جمعة، اولئك الفتية الذين رفضوا كل أنواع الفساد، فخرجوا لساحات الحرية، مواصلين التظاهر ضده دون توقف، ومعرضين حياتهم للخطر من أجل كنس الفساد، وطرد الفاسدين من الوجود.. وما دام في البلاد مثل هؤلاء الشباب النجباء، فإن عراقنا بألف خير، ومستقبل بلادنا سيكون مضيئاً، جميلاً حتماً.. أما الحقيقة الثانية فهي التي تتمثل بأبطال الحشد الشعبي، فهؤلاء الشباب الذين تركوا سعاداتهم، وحبيباتهم، وأحلامهم الغضة، ومضوا متطوعين الى ساحات الموت من أجل الدفاع عن العراق، وحرية العراقيين، مقدمين على مذبح الحرية آلاف الشهداء الأبرار، هم بالتأكيد ضمانة المستقبل العراقي الثانية. والحقيقة الثالثة التي تؤكد سلامة العراق رغم المصائب فتتلخص في منتخب العراق الأولمبي، الذي فاز على منتخب قطر، وفي أرض قطر، ليتأهل الى نهائيات البرازيل، وربما يرى البعض أن الأمر عادي وبسيط، بينما الحقيقة هي غير ذلك، فلاعبو منتخبنا الفتي، والفقير(الجائع)، نجحوا في سحق فريق لعب معهم بأحذية من ذهب، وكان يأكل بملاعق من ذهب، بينما هم غادروا بغداد، وقلوبهم معلقة بأبواب بيوتهم الناصية في مدينة الصدر، خشية أن تمطر، فتغرق، وساعتها لن تلحق (صخرة عبعوب) على تدارك الأمر. إن هذه الحقيقة التي اعرضها في هذا المقال، هي ضمانة للمستقبل العراقي الثالثة.. فهل من مشكك بهذه الحقائق الحيَّة؟

