فالح حسون الدراجي
ما دمنا نعيش أسى، وأحزان، ذكرى انقلاب شباط الأسود، وما دامت
الذكريات السود تتناسل في قلوبنا، وفي ذاكراتنا، كلما جاءت هذه
اﻟﻤناسبة الأليمة، وهي تحمل في طياتها أحداثاً وأفعالاً، ملطخة بالدم
والعار، ارتكبتها عصابة فاشية، أحرقت عام 1963 الأخضر واليابس
في العراق، بحيث لم تبق للمجرمﻴﻦ الذين سيأتون بعدها، مجالاً
ينافسونها فيه على الإجرام!! ففي كل يوم تسلط الأضواء على جريمة
جديدة، كان الحرس القومي البعثي قد ارتكبها قبل ثلاثة وخمسﻴﻦ
عاماً، لكنها لم تكتشف في وقتها.. حتى قادة الانقلاب الدموي
أنفسهم، راحوا يتسابقون سنة بعد سنة ويوماً بعد يوم، على كشف
جرائمهم الشنيعة بحق الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم، أو بحق
عائلته الكريمة، أو بحق رفاقه وأتباعه أو بحق عموم الشعب العراقي.
ولعل حكاية (القطار الأمريكي) الذي جاء بالقتلة، وحلفائهم في ذلك
الانقلاب اﻟﻤشؤوم، واعتراف أكبر الرؤوس القيادية في حزب البعث به
لهو أكبر دليل على (نوعية) الانقلاب، وعلى (اﻟﻤعدن النفيس) لقيادييه،
ومنفذيه!! ولعل النداء التلفزيوني الذي وجهه جعفر جلال الأوقاتي الى
أحد قيادي الحرس القومي (اياد علاوي)، بمساعدته في العثور على قبر
أبيه الشهيد الأوقاتي، قد فضح جانباً من جرائم هذه العصابة.. فمن
خلال هذه الدعوة اﻟﻤؤﻟﻤة، يمكن لنا أن نخمن عدد الشهداء الذين رمى
البعثيون جثثهم في الأنهر، والبراري، واﻟﻤقابر اﻟﻤجهولة، دون ذكر، أو
أثر؟! إن الذي دفعني لطرح هذا اﻟﻤوضوع، هو أني اكتشفت للأسف
الشديد، أن ثمة من يدافع عن حزب البعث حتى هذه اللحظة، رغم توفر
أطنان الأوراق واﻟﻤلفات والشهادات الناطقة والصور، والأفلام، والشهود
الأحياء، واﻟﻤقابر الجماعية، والكتب التي توثق جرائم البعثيﻴﻦ على
مدى العقود الستة التي ظهروا فيها بالعراق.. واﻟﻤصيبة أن تجد لحزب
البعث اليوم مؤيدين وأنصاراً يدافعون عنه بقوة تحت قبة البرﻟﻤان، وفي
أعلى مراكز الدولة! ولو أجرينا مراجعة بسيطة لفعل واحد من أفعال
البعثيﻴﻦ آنذاك، مقارنة بما فعله الشيوعيون في نفس اﻟﻤجال، لاكتشفنا
الفارق الكبﻴﺮ بﻴﻦ هذين الحزبﻴﻦ وهو الفارق الذي يقترب من فرق الثرى
عن الثريا .. فالشيوعيون – ولنقل بصراحة – بقوا أوفياء مع الزعيم
الشهيد عبد الكريم قاسم منذ اليوم الأول للثورة حتى اليوم الأخﻴﺮ
من عمره، رغم أن الزعيم قاسم قد أختلف معهم في الفترة الأخﻴﺮة من
حكمه، بل وكان قد ألقى بعدد كبﻴﺮ منهم في السجون واﻟﻤعتقلات، بدليل
أن البعثيﻴﻦ في 8 شباط وجدوا أمامهم في اﻟﻤواقف والسجون العراقية
عدداً غﻴﺮ قليل من اﻟﻤناضلﻴﻦ الشيوعيﻴﻦ، وهُم (جاهزون للذبح)، فتم
لهم ذلك بيسر. وباﻟﻤقابل فإن التاريخ سيذكر بأحرف من نور وقفة
الشيوعيﻴﻦ الجبارة وهم يقاومون بالعصي والسكاكﻴﻦ افراد الحرس
القومي اﻟﻤجهَّزين ببنادق (بور سعيد) اﻟﻤصرية، ويتصدون للانقلابيﻴﻦ
ببسالة، ﻟﻤدة ثلاثة أيام دون توقف في مناطق الكاظمية وباب الشيخ
والصرائف، وغﻴﺮها. بينما نجد البعثيﻴﻦ، الذين تآمروا على الزعيم
الخالد عبد الكريم قاسم، وأصابوا ذراعه في شارع الرشيد، والذين
أضرموا النار في شوارع الأعظمية والجعيفر والكرخ أثناء التظاهرات
اﻟﻤناوئة لثورة تموز، والذين قادوا إضرابات الطلبة والبنزين في بغداد،
وقتلوا فيها بعض أفراد الشرطة، واﻟﻤواطنﻴﻦ الأبرياء، فضلاً عن الأفعال
الخطﻴﺮة التي من بينها اتصالاتهم التآمرية مع مخابرات عبد الناصر،
والتخطيط اﻟﻤشترك لقلب نظام الحكم، وجرائم أخرى، لكننا نجد أن
أعناق البعثيﻴﻦ ظلت ساﻟﻤة دون أن يلتف على أحدها حبل اﻟﻤشنقة،
بسبب طيبة قلب الزعيم، وسماحته، وأخلاقه العالية.. رغم أن محكمة
الشعب برئاسة الشهيد اﻟﻤهداوي قد حكمت على اﻟﻤجرمﻴﻦ البعثيﻴﻦ
بالإعدام، لكنها جميعاً لم تنفذ، لأن الزعيم رفض التوقيع عليها، ليعفو
بعدها عن كل اﻟﻤحكومﻴﻦ البعثيﻴﻦ. أما الطبقچلي، ورفعت الحاج سري
اللذان نفذ فيهما حكم الإعدام، فلم يكونا من البعثيﻴﻦ باﻟﻤرَّة.. لقد
رفع الزعيم قاسم مع البعثيﻴﻦ، وغﻴﺮهم، شعار (عفا الله عما سلف)..
فماذا كان جزاء هذا الرجل الوطني الشريف، الذي لم يضع توقيعه على
اعدام البعثيﻴﻦ اﻟﻤجرمﻴﻦ؟ كان جزاؤه الإعدام دون محاكمة، مع رمي
جثته في نهر ديالى، والتعامل بطريقة غﻴﺮ إنسانية وغﻴﺮ أخلاقية مع
جسده الطاهر أمام مشاهدي تلفزيون بغداد.. فضلاً عن اﻟﻤمارسات
الاجرامية الرهيبة التي وصل شررها الى كل عائلة الزعيم ومحبيه
وانصاره. أرأيتم الفرق بﻴﻦ الشيوعيﻴﻦ النجباء، اﻟﻤجبولﻴﻦ على الوفاء
للقيم واﻟﻤبادئ الوطني

