فالح حسون الدراجي
لم يكن الشهيد خيون حسون الدراجي (أبو سلام)، شقيقي فحسب، إنما كان شقيقي وصديقي أيضاً، فهو الوحيد من بين أشقائي شاركني طفولتي إذ أن أشقائي جميعاً -حفظهم الله وحماهم- ولدوا بعد مجيئي للدنيا بسنوات طويلة، حتى أن أكبرهم قد جاء للحياة، وأنا فتى يافع. لذا فإني لم أجد طفلاً آخر في البيت يلعب معي في طفولتي غير خيون، ولم يكن أحد غيره يأكل معي في ذلك (الماعون)، ولا أحد غيره يعطيني حذاءه (الوحيد) حين يتمزق حذائي في اللعب، ولم أجد صبياً غيره يعطيني مصروفه، إن أنفقت مصروفي اليومي هنا وهناك، واحتجت له آنذاك. وأكثر من ذلك، إني وخيون كنا نتدفأ (بلحاف) عتيق واحد.. يقينا زمهرير ذلك الشتاء الريفي البارد.
وإذا كنت أنا وإياه قد ولدنا في بيت واحد في ناحية كميت/ محافظة العمارة، وفي غرفة طينية واحدة، فإننا نمنا بنفس (الكاروك)، إذ تحولت (ملكيته) لي بعد أن استخدمه خيون سنة كاملة قبلي، لتزيحه أمي بعد ذلك وتضعني فيه، باعتباري -مولود جديد- وخيون أصبح قديماً..!!
وفي بغداد، حيث يضيع فيها (المولَّد) كما يقولون، كدنا نضيع نحن ايضاً، لولا عناية الله، ونجابة أخي خيون، فالوالد رحمه الله، لم يكن يجيد أي عمل يمكن أن يعيلنا منه في بغداد.. إذ ماذا سيعمل هذا الرجل القادم من أرياف العمارة، وهو لا يملك غير ذراعه المتعب، وماذا يفعل وقد أعياه البحث عن أي عمل كان، خاصة ونحن في مطلع الستينيات، حيث الاضطرابات، والقتن، والهوس التآمري على ثورة الزعيم قد وصل حد اللامعقول.. ناهيك عن إصابة الوالد -وقتها- بمرض التدرن الرئوي الذي أتعبه كثيراً.
أما الوالدة فقد كانت امرأة بسيطة لا تعرف غير الطبخ والكنس والغسيل.. في حين أن بقية العائلة -ذكوراً واناثاً- كانوا جميعاً صغار السن.. بحيث أن أكبرهم (خيون) لم يكن قد تجاوز الثانية عشرة من عمره..
ولما بدأ المبلغ الصغير الذي كان معنا يتقلص، وينفد، بحيث لم يبق سوى مصرف قليل قد يكفينا أسبوعا واحدا لا أكثر. نهضت (رجولة) خيون قبل أوانها، فخلع أثواب الصبا، وأردية الفتيان، وراح يعلن عن وجوده كفتى نجيب، وابن بار، يتحمل مسؤولية إعالة أمه وأبيه وأخوته. وهنا أذكر له موقفاً لن أنساه ما حييت، يوم جاء الى والدي قائلاً له برجاء: -بويه آني ابنك مو غريب، خلصت الدراسة الابتدائية، يعني صرت شاب.. وذوله أخوتي، وأمي، وأنت أبوي اللي تعبت علينه، وكديت وربيت، وما قصّرت ويانه، لمن ما وصلتنه لهذا العمر، هسه بويه الدور أجه علي آني، بعد ما أنت أديت واجبك وزيادة.. فأرجوك توافق على أن أبطل من المدرسة، بس فالح يبقه يدرس، وآني أعرف فالح سبع يدبرها.. لأن صعبه المعيشة بهاي الظروف القاسية.. فأريد منك السماح، والدعاء بالتوفيق..
وافق والدي مكرهاً.. وفي اليوم الثاني شد خيون حزام العمل (ونزل) الى معركة المعيشة، ونجح فيها نجاحاً كبيراً. فكان له مكان في أغلب المهن والأشغال، بحيث لم تبق ساحة رزق شريفة إلاَّ وكان لأخي نشاط فاعل فيها رغم صغر سنه، حتى وصل الى مستوى مالي جيد، أمتلك فيه بعد عشرين عاماً من الكدح والجهد الكبير والإخلاص في العمل معملاً للأصباغ والمواد المانعة للرطوبة..
وللأمانة، فإن أخي خيون يتميز بمواصفات رائعة، يعرفها الناس أكثر مني، لكني أستطيع أن ألتقط منها ثلاث: الشجاعة الفائقة التي تصل حد التهور، مع أنه لم يتهور يوماً قط، فحاشا له ذلك، وهو المعروف بأدبه الجم، وخلقه العالي، واتزانه.
أما الميزة الثانية، فقد كان خيون كريماً حد الدهشة، وفي هذه النقطة استطيع أن أكتب مجلدات وليس سطوراً فحسب.. والميزة الثالثة لأخي خيون، هي وطنيته العالية جداً، وطبقيته، وشيوعيته الباهرة، وأكبر الأدلة على ذلك، أنه أعتقل، وأعدم، ولم يعترف على أحد في تنظيمه الحزبي، بل ولم يأتِ باسم أي رفيق من رفاقه، ومعارفه، سواء في التحقيق، والمحكمة، أم في صعوده الى المشنقة! اللهم إلاَّ في ذكره لاسم العراق والحزب الشيوعي، وهو يهتف بتحيتهما في محكمة المجرم عواد البندر.
كان خيون يحب رفاقه وزملاءه وأصدقاءه جميعاً. لكنه كان يميز في حبه أثنين من رفاقه: هما المناضل غايب حوشي والقاص حميد ناصر الجيلاوي وسيزول العجب حتماً، عندما نعرف أن الأبطال الثلاثة: أي خيون وغايب وحميد الجيلاوي، قد استشهدوا جميعاً على مشانق البعث، دون أن يخونوا قضية حزبهم العظيم، أو يعترفوا على أحد من رفاقهم..
شكراً لأبي.. ولأمي.. لأنهما أهدياني أخي خيون.. فأية هدية عظيمة كانت؟!

