الإفتتاحية

رياض النعماني صديقي ..

ثلاثة واربعون عاماً مرت على أول لقاء جمعني بالشاعر الجميل رياض النعماني.. ومنذ ثلاثة وأربعين عاماً ورياض صديقي.. لم نختلف يوماً، رغم أن الحياة والسياسة والطائفة، (والأنا) الشعرية، والنساء والشهرة تخلق في كل يوم ألف سبب للخلاف والاختلاف بين شاعر وآخر.. لكن علاقتي بأبي جنوب ظلت بيضاء كالثلج، أي مثل قلبه الناصع والنابض بالحب والجمال والإبداع.. فرياض النعماني ليس صديقي فحسب إنما هو زميل نقي ورفيق درب في خط عقائدي واحد.

أحب شِعره جداً، ربما لأني (شاعر) ملسوع ألف مرة بجمرات القوافي، فأعرف قيمة النار في صناعة الجمال الشعري.. لذلك أظن بأني أعرف خامة الشعر، والوانه، وخيوط نسيجه، وصناعته المتعبة أكثر من شخص يقرأ الشعر، وهو يرتشف فنجان قهوته على أريكة الصباح، أو يستمع اليه مرتلاً من المذياع، بينما هو يضع يده في محفظته ليدفع لسائق التاكسي أجرته. أن الفرق بين الشاعر وغيره، مثل الفرق بين صانع النبيذ الذي يعرف طعمه، ومذاقه، ونوعية العنب الذي عصره منه، والمدة التي أستغرقها في تعتيقه، وبين شارب النبيذ، حتى لو كان من أشد الناس إدماناً على تناوله!! 

وأحب وطنية رياض النعماني، وفي هذه النقطة أستطيع أن أكتب مجلداً كاملاً دون توقف..

وعندما أتحدث عن (وطنية) رياض النعماني، وعشقه لكل ذرة تراب عراقية، يجدر بي أن أتحدث عن تقدمية رياض، (ويساريته) الحقيقية، وعن ثوريته، وعناده الثوري، رغم أن رياض النعماني كائن رقيق، عذب، استثنائي في جمالياته ومشاعره، وادميته، وكلامه، بل حتى في خطه الأنيق، وكتابته الناعمة كالحرير، لذلك تجد النعماني مختلفاً عن غيره من الشعراء وغير الشعراء.. ولا أبالغ لو قلت أن أبا جنوب مصنوع من ورد وشعر وموسيقى (وترافه)، وأحلام ملونة، ومعمول من بريق الومضات القدرية المنيرة في دواخله، والمشعة بالإنسانية أبداً.. وفي جوهر رياض (الحداثوي) أيضاً، عطرٌ من عبق الحضارة الرافدينية القديمة، التي لم يبق منها للأسف غير ذلك العطر..

 وعن ثورية رياض (وأمميته)، أتذكر يوم اقدامه على التطوع في القتال والدفاع عن التجربة اليسارية في (نيكاراغوا) بصحبة شاعرنا الفذ مظفر النواب قبل أكثر من ثلاثين عاما، لكن الموضوع ألغي في الدقيقة الأخيرة بعد سقوط  تجربة الثورة (الساندينية) بقيادة المناضل الثوري اورتيغا. 

وبكل صدق أقول، أن جيلي الشعري السبعيني، الذي ضمني مع رياض النعماني، وكوكبة من المبدعين الكبار الذين يشرفني تواجدي بينهم، هو الجيل الأكثر جمالاً ومودة، وتآخياً، وصداقة عميقة، وتواصلاً يكاد يكون غريباً ومميزاً عن عموم الأجيال الشعرية الأخرى، سواء من الذين كتبوا بالعامية أم بالفصحى. لقد بقيت العلاقة بيننا جميعاً وطيدة ودافئة وحميمية وأواصرنا ظلت مشدودة بخيوط المحبة والصدق والوفاء حتى يومنا هذا، رغم هذه السنين الطويلة من التباعد والفراق الإجباري فيما بيننا. 

لقد جاءني رياض مرة من الدنمارك الى عمان مع صديق آخر، عندما علم بأن ظروفي صعبة، وسيئة جداً، وإني -وإن لم أخبره بذلك- بحاجة ماسة اليه، ونفس الشيء فعله الشاعر السبعيني المبدع كامل الركابي الذي جاء الى المدينة التي زرتها في السويد قبل اربع سنوات، قاطعاً آلاف الأميال، من أجل رؤيتي، فبقي معنا طيلة وجودي في السويد، تاركاً بيته، وعمله، وأشغاله. فأي وفاء للصداقة والزمالة والرفقة أكبر من هذا الوفاء الجميل؟

نعم لقد كان جيلي بجميع شعرائه قلادة ذهبية لامعة، ورياض النعماني، عين هذه (الگلادة)، ودرتها الثمينة.. 

ختاماً أقول: اسأل نفسي كثيراً، عن هذا البياض المدهش، الذي يملأ قلب رياض وكيانه، بحيث تمكن هذا الكائن النحيف، الناعم، الطري مثل عود الياسمين، من جذب قلوب الناس اليه، ولن أكون مبالغاً لو قلت أن رياض النعماني، هو الشاعر الوحيد في التاريخ، الذي لا تجد له عدواً أبدا، رغم أنه شاعر كبير، ومناضل كبير، له موقف، وقضية، وعقيدة، ولهذه العقيدة أعداء، ومناهضون حتماً، فضلاً عن أنه شخص ممتلئ بالنجاح والشهرة. ولكم أن تقدروا كيف يمكن لرجل ناجح مثله، أن يمضي في نجاحه دون حاسدين، وناقمين، وشتامين؟!

يا رياض النعماني: يشرفني أنك صديقي، وأنك تحبني، فتقول في غيابي كلاماً جميلاً، لم يقله أحدٌ غيرك، حتى لو كان أبن أمي وأبي..

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان