الإفتتاحية

من أجل عيون فالح حسون الدراجي!

وجيه عباس

“جلجامش الذي رآى”، وفالح حسون الدراجي الذي بكي،وبين المشهد، والمرقد مابين جلجامش وفالح حسون الدراجي الذي إبيضت عيناه من العراق وهو كظيم،كيف يمكن لمزرعة الرموش ان لاتمطر ماءها بهذا المشهد السوريالي او السروالي الذي يحيط بنا؟ كيف يمكن لكائن مخلوق من ربع ترافة ،وربع نواعٍ، وربع محنة ،وربع ضيم، ان لايكف من البكاء على بلاد اغتصبوها واتهموها بالرذيلة ثم قالوا لاولادها احملوا الاحجار وارجموها،وكأني بها تضع العباءة فوق هامتها وتركض امام اولادها الراجمين وتقول:

-لاركض وراهم حافي…واعبيّتي اعله چتافي!!

عيون فالح حسون الدراجي لاتشبه عيون “إلزا” التي سودنت “أراغون”،لكنه يملك عينين اثنتين أعمتهما الحروب،من قال ان الحروب ليس باستطاعتها النظر الى موتاها وهم نائمون؟لكن فالح يملك قلبا مفطورا واحدا، هل قلت ان قلبه يشبه وجهه الذي تتجمع فوقه النوارس فيصبغها بالبكاء؟هل قلت ان النوارس تبحث عن قلب جنوبي يسير على الماء مثل مشحوف جنوبي فلايجد سوى البردي حين ينوح عليه وهو يمر مرور الجراح على ناياته؟كيف يمكن لهذا الجسد الذي يترك انفاسه ببلادٍ، وروحه عند قبر اهله في النجف؟ ولك يافالح انا محتاجك كما لم احتج الى ثوب يستر سوءتي عن الناس؟ بحاجة الى قلب يعرف تاريخي بعد أن تبرأت الوجوه مني وكأنني كنت في حفلة تنكرية، السلطان الذي أمر بنفيي مازال يصدر كل هذا الضجيج حتى لايسمع صوتي سوى الطرشان في وطنٍ اجروا له عملية رفع الزائدة الدودية فأبدلوا قلبه بآخر صناعي ليس لوزارة الصناعة شأن فيه.

لنكن ثلاثة يافالح: أنا وأنت ونحن، هذه الاصابع التي ترقص على الكيبورد أصابع لها عيون لايبصرها الا من كان له ضمير مثل ضميرك،ولنا عيون تركض لطلب النجدة من العوينات لنرى طريقا لم نكن نعترف به يوما ما،ولنا هذا القلب الذي يشبه وجهي،ووجهك حين ترسم المأساة وجوه آبائنا وأمهاتنا وإخواننا الذين سبقونا الى الدفان،أرأيت ان الهمزة في كلمة (أم) مرفوعة حتى يسمع الناس صراخها على بنيها،فيما الهمزة في كلمة(إخواننا) مكسورة مثل ضلع “خيون” وهو يفترش التراب بعيدا عنا؟!هل قلت لك كم كان الموت قريبا الى روحي التي أجاهد ان تنتظر صديقا يودعني وانا أزمع الرحيل الى هناك…حيث لا…هنا.

قالوا لي انك ستعمى،وانك ربما تفقد الضوء من عينيك اللتين إبيضتا من حزن عراقك، تصوّر ان الكون محشور بملايين العميان وانت المبصر الوحيد فيهم، سأقول لك انها القيامة ياابن حسون وابا حسون،كثرت “الحساسين” ولاصوت سوى زقزقة الروح وهي تحبو تحت سريرك المتخم بالقصائد،اذن لتتعود منذ الان ان ترسم صور اهلك باصابعك المبصرة،عيونهم التي ستبصر اصابعك وانت تمررها على عيونهم وخدودهم وانوفهم،انت تعوّدت على رائحتهم فلايضرك ان تركت هذه القضية ،عليك ان تخطط لغد اعمى فيما لو صدق قلبك بالعزاء على العراق،ساطالب الجميع ان يمنعوك عن البكاء، سنقول لقلبك أن كل هذا الذي يجري كذب وبهتان يافالح، العراق ليس فيه جوع،كذب السياب وصدّقه الشعراء الغافون على قصائدهم،العراق يشكو من التخمة وليس بحاجة الا الى دعاء او شراب مسهل!،من يقول لك ان العراق يبكي سنقول انها دموع الفرح ليس الا، الامهات اللواتي يلبسن السواد لم يفقدن سوى صور شخصية كانت معلّقة في قلوبهن بوسط الهول!،الاباء الذين طالت لحاهم لانهم آمنوا ان حلق اللحية حرام وفسق،دشاديشهم السود ومرض السكر والضغط الدموي إنعاش عراقي في هذا الوطن الذي يمنح لبنيه الامراض المزمنة حتى يفرّقهم عن غيرهم من الاجانب الاصحّاء!،من يقول لك ان التوابيت التي تسير الى النجف بتذكرة ذهاب فقط محمّلة بالعراقيين سنقول له ان هذه التوابيت درجة سياحية لرؤية سماء الله من قريب!،حتى الاكفان التي يلفونهم فيها ما هي الا مشهد سوريالي لعيون عمتنا “الزا” التي سودنت الحاج اراغون!!،ارأيت كفنا يكتبون عليه دعاء الجوشن الكبير الا في العراق؟كل مايقولونه لك كذب يافالح،العراق بخير وكل هذا الذي يجري ماهو الا كاميرا خفية من اجل ابقائك على قيد العراق.

البكاء يعمي عينيك على العراق يافالح،فدع البكاء لي،بي حزن ان ارثي الكون ولااقدر ان اتقرب اليك بكلمات الحزن ياصديقي، ابق كما انت،بعينين او من دون عينين فانت قصب جنوبي لايحسن سوى العويل على….”اهلنه الضيّعونه”.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان