فالح حسون الدراجي
أمس الأول، أقدم أوباش داعش على جريمة كبيرة، تمثلت بتفجيرين ارهابيين في سوق مريدي بمدينة الصدر.. وقد كانت الخسارة للأسف الشديد كبيرة، إذ سقط جراءهما أكثر من تسعين مواطناً بريئاً، ما بين شهيد وجريح..
وقد يسألني قارئ عزيز، فيقول: وما الغريب في هذين التفجرين، حتى تكتب مقالاً فيهما. أليست داعش منظمة إرهابية معادية للعراق والإسلام، والبشرية كلها، أليست مدينة الصدر واحدة من مدن العراق، التي كان ولم يزل رأسها مطلوباً لداعش، وما شابه داعش، كأية مدينة عراقية أخرى؟
لماذا هذه الدهشة، إذا كانت ثمة تفجيرات أخرى قد حصلت خلال أربعة أيام في الشعلة، وأبي غريب، وغيرهما من مدن العراق..؟
وجوابي على ذلك بالقول:
-صحيح أن مدينة الصدر واحدة من مدن العراق، وإن رأسها مطلوب من قبل أوباش داعش، مثل رأس أية مدينة عراقية أخرى.. لكن الحقيقة التي يجب أن أقولها، أن هذا المقال لم يكن خياري الشخصي قطعاً.
وكي أكون أكثر وضوحاً، أقول، إني لم أكن أنوي الكتابة عن هذه الجريمة، ولا عن ضحاياها، رغم إن لمدينة الصدر، أو مدينة الثورة -حيث أحببت اسمها منذ أول صباي- خصوصية كبيرة، فهي صورة الوطن الذي لم يفارق خيالي يوماً، وهي بمثابة أمي، وأبي، وأهلي، وأعز أصحابي، لا سيما اولئك الذين أبكي غيابهم بدمع من دم، وهي بيتي (الناصي) بناءً، والعالي كرامة وشرفاً ورفعة، وهي المدينة التي كتبت على جدران قلبها أحلى قصائد شعري، وعثر قلبي فيها على أول حب، وعلى آخر حب أيضاً.
ففي هذه المدينة العظيمة أول مدارسي، وأروع اساتذتي، وأغلى زملائي، وأنبل رفاقي، وفيها وجدت من يعلمني بكل نقاء أبجدية الديالكتيك، ومعنى المفهوم المادي للتاريخ، وعظمة كتاب (رأس المال)، والفلسفة ونهج البلاغة وغيرها من الكتب والمؤلفات المهمة. وفي هذه المدينة المزدحمة بجماليات الشعر، قرأت (سنّ الما ضحك بالعيد چا يوم الطبگ يضحك) ومئات القصائد الفذة الأخرى.. لذلك كانت، وما زالت هذه المدينة عندي، أغلى من عيني ومن بقية النور الضئيل في قعر عتبتها، لكنني رغم كل هذا الحب، لم أفكر بالكتابة عن هذين التفجيرين الإرهابيين، اللذين وقعا في مدينة الصدر يوم أمس الأول، والسبب إني لا أريد أن أفرق بين مدينة الصدر وبين مدينة عراقية أخرى. لذلك يتوجب عليَّ -إن أردت الكتابة عن مدينة الصدر- أن أكتب أيضاً عن كل التفجيرات التي حصلت في مناطق البياع، والشعلة، والكرادة، والكاظمية، وبغداد الجديدة وأبي غريب وغيرها من مناطق ومدن العراق العزيز، وليس الكتابة عن تفجيرات مدينتي فحسب، مادام جميع أبناء العراق أهلي وأصحابي وأحبتي.
لكن الذي فرض عليَّ كتابة هذا المقال، هو تنظيم داعش نفسه، حين قام بإصدار بيان طائفي مقيت بعد وقوع التفجير مباشرة، أعلن فيه عن تبنيه لهذا العمل الإجرامي الذي حصد أرواح عشرات الأبرياء بمدينة الصدر، وختم بيانه بجملة استفزتني كثيراً، واستفزت عراقيتي، حين قال: (لقد استهدفنا عقر دار الرافضة)!! لذلك كتبتُ هذا المقال -رغم ظروفي الصحية- أردت أن أقول فيه لأوباش داعش، ولمن يدعمهم، ويحميهم، ويحتضنهم:
– لقد أخطأتم في العنوان، فمدينة الصدر ليست عقر دار الرافضة فحسب، إنما هي عُقر دار كل أسود العراق الأبية، من شيعة وسنة وعرب وكرد وتركمان وشبك، وكلدا اشور، وهي كذلك عقر دار المسيحيين، والمندائيين والايزيديين وغيرهم من الديانات الأخرى. وإذا كنتم قد (نجحتم) بتفجير(كلبين من كلابكم)، فإنكم لم تنجحوا في كسب (التأييد الطائفي) لعملكم الجبان في ما جاء ببيانكم التافه، لأن الجميع يعرف أن مدينة الصدر لم تكن يوماً من حصة أحد إنما هي حصة كل العراقيين. وفاتكم أن تقولوا للناس، أن السبب الحقيقي في توجهكم الخبيث نحو مدينة الصدر، بكل هذا الثقل التفجيري، وهذه الخسة، يعود لكون مدينة الصدر، معين البطولة الأعظم، (ومركز تموين) جبهات القتال المواجهة لطائفيتكم، وأن أبناءها الغيارى الذين قاتلوكم عبر عناوين الحشد الشعبي المقدس، والقوات المسلحة البطلة، أذاقوكم كؤوس الموت الزؤام، لذلك اردتم بهذا العمل الإجرامي كسر شوكة هذه المدينة، وتخويفها، ولكن الجواب جاءكم في نفس اليوم عبر أبطال الحشد الشعبي الذين دمروا في قاطع الكرمة سبع عجلات بما فيها من أوباشكم المجرمين.. والبقية ستأتيكم من أبناء هذه المدينة خلال أيام معدودة ليس أكثر..
فسلاماً (لعقر دار الرافضة)، عفواً عقر دار الأسود!!

