فالح حسون الدراجي
لا شك أن مئات الملايين في العالم يتابعون باهتمام شديد هذه الأيام جولات الانتخاب الساخنة التي تجري على قدم وساق في عدد من الولايات المتحدة الأمريكية، لاختيار مرشحي الحزبين الكبيرين الديمقراطي والجمهوري في انتخابات الرئاسة الأمريكية المقررة في 8 تشرين الثاني (نوفمبر) 2016.
وإذا كان بين مرشحي الحزب الديمقراطي متنافسان يتمتعان بقدر كبير من (المقبولية) والعقلانية، سواء في برنامجيهما الانتخابيين أم في شخصيتيهما! وأقصد بذلك هيلاري كلينتون وساندرز، فإن الكارثة الكبرى تكمن بمرشحي الحزب الجمهوري، لاسيما المرشح الأوفر حظاً دونالد ترامب. فهذا المرشح الذي فاز لحد الآن بثماني ولايات من أصل احدى عشرة ولاية، والذي بات قاب قوسين أو أدنى من الفوز بترشيح الحزب الجمهوري لانتخابات الرئاسة الأمريكية -قد زرع الرعب والخوف في قلوب ملايين الأمريكيين. فهذا الرجل سيأتي حتماً بالكوارث والمصائب لأمريكا، ولشعوب العالم، إن فاز -لا سمح الله- بمنصب الرئاسة الأمريكية. وكارثة الكوارث، أن ترامب بكل عنصريته، وكراهيته الفظيعة للأقليات (كالسود والمسلمين والمكسيكيين وغيرهم) وباحتقاره لشعوب العالم الثالث، وتوعده لدول نجحت في تحقيق قفزة اقتصادية كونية عظيمة -كالصين مثلاً- وبوقاحته، وتهديده، ووعيده، وجنونه وغبائه وجهله في الشؤون السياسية، وأميته الدستورية والقانونية التامة، نال من أصوات الجمهوريين الأمريكيين أعداداً عظيمة، والمشكلة أن فيها الكثير من أصوات السود، والمسلمين!! والدليل الملموس، إننا كنا مساء أمس الأول (الثلاثاء) أمام (السي أن أن)، لمتابعة انتخابات التأهيل بسبع ولايات، في يوم يسميه الأمريكيون (سوبر تيوزدي)، فأدهشتنا وأرعبتنا نتائج هذه الانتخابات، حين وجدنا أن ترامب يحصد في مراكز الجمهوريين أصوات الأغلبية بخمس ولايات من أصل سبع فقط.. ودهشتنا الأكبر، أن (ترامب) فاز في ولاية جورجيا التي يمثل فيها (السود) أكثر من ثمانين في المائة من السكان، بينما برنامج (ترامب) الانتخابي المهووس يرتكز في أساسه على ثيمة التمييز العنصري والديني والنوعي.. حتى أنه طالب بمنع دخول المسلمين الى أمريكا. وقد بدأ تركيزه في الهجوم على المسلمين الموجودين في الولايات المتحدة منذ شهور، حين دعا إلى مراقبة المساجد وإنشاء قاعدة بيانات لتسجيل المسلمين ومنع دخول أي مسلم الى أمريكا مستقبلاً.. ولم يخفِ ترامب كراهيته للمكسيكيين ايضاً، فوعد مؤيديه -في حال فوزه- ببناء جدار عازل على طول الحدود الأمريكية المكسيكية وعرضها، كي يمنع وصول المكسيكيين الى أمريكا مستقبلاً..
المثقفون، والحقوقيون الأمريكيون اليوم في حيرة من امرهم مما يحصل، وهي حيرة مصحوبة بالذعر، إذ ماذا سيكون الحال لو فاز رجل مقامر، برئاسة أعظم بلد في العالم، وهو لا يمتلك أدنى خبرة سياسية، وعسكرية، في الوقت الذي ستكون تحت يده أزرار الخزين النووي الأمريكي، الذي سيدمر الكرة الأرضية بضغطة واحدة على زر من أزرار هذه الترسانة النووية المدمرة، وكيف سيقود العالم، وهو بهذه العدوانية الرهيبة؟!
كيف يمكن أن يقود أمريكا بحجمها الدولي الهائل، لو فاز رجل (تاجر) يفاخر بامتلاكه ملاهيَ وشركات وعقارات، وكازينوهات قمار، وفنادق، ولا يملك ذرة واحدة من القيم، والمبادئ الإنسانية..
ماذا تنتظر أمريكا من رجل كان يراهن على حلاقة شعره في مباريات المصارعة الحرة؟
نعم لقد قام ترامب من قبل باستضافة بطولة للمصارعة الحرة في (اتلانتيك سيتي)، حيث تعرف آنذاك باسم (الاتحاد العالمي للمصارعة الترفيهية) وقد تقابل فيها المصارع (جيسي فنتورا) مع المصارع (بوبي لا شلي)، بينما كانت الجائزة بين المتراهن ترامب ومنافسه (ماكمان) حلاقة شعر الخاسر، ففاز المصارع (لاشلي) الذي راهن عليه ترامب، وكانت المفاجأة أن قام ترامب بحلاقة شعر رأس (ماكمان) بيديه.
ولا أعرف ماذا سيفعل ترامب إذا (ما فاز) برئاسة أمريكا؟
أحد الخبثاء يقول مازحاً: سيحلق ترامب شعر رأس (البشرية) كلها، إذا ما فاز بكرسي الرئاسة الأمريكية!!
المشكلة الحقيقية برأيي في الملايين الأمريكية، التي أعطت وستعطي أصواتها لشخص محتال، تافه، مثل ترامب، بينما تمنعها عن مرشح عبقري، شريف، مكتنز بالقيم والوعي والمبادئ الوطنية والإنسانية العليا مثل المرشح (ساندرز)!!
ويكفي ساندرز شرفاً أن يبدأ مشروعه النضالي برفقة الزعيم الأمريكي الأسود مارتن لوثر قبل أكثر من نصف قرن، حين دافع ساندرز (الأبيض) عن حقوق السود، وتحمل ما تحمل في زمن كان فيه الرجل الأسود ممنوعا من الدخول للسينما من ذات الباب الذي يدخل منه المواطنون البيض!! إن عدم منح جماهير الحزب الديمقراطي أصواتها -لا سيما السود منهم- للمرشح (بيرنارد ساندرز)، أمرٌ مفجع، ومفزع ايضاً.

