أقالت شبكة الإعلام العراقي في الاسبوع الماضي الأستاذ عبد المنعم الأعسم من عمله كرئيس تحرير لجريدة الصباح.. وبعيداً عن ما ذكره مدير عام الشبكة السيد محمد عبد الجبار الشبوط من مبررات وأسباب لهذه الإقالة، ومن بينها نفاد عقد المُقال، وما أجاب به الأستاذ عبد المنعم في رده المهذب على تعليق السيد الشبوط، فإن الحقيقة التي لا يختلف عليها اثنان عاقلان، والتي تؤكدها ردود أفعال الوسط الثقافي والسياسي والشعبي، المصدومة بالإقالة، وتدعمها التواريخ المهنية والوطنية الناصعة للأستاذ عبد المنعم، مثلما تسندها الوقائع التي لا تقبل الشك، وحزمة النتائج الباهرة التي حققها الأعسم لجريدة الصباح، والتي انعكست على شكل هذا المطبوع ومضمونه، حيث ظهر ذلك واضحاً عبر التغيير الجوهري الحاصل في بنية الجريدة -كمادة صحفية مقروءة، وكإنجاز مهني محترم ايضاً- ناهيك عن ما يتمتع به الزميل الأعسم من حضور شخصي، واجتماعي، وسياسي، منح به الجريدة دفقاً اعتبارياً، فجعلها مقبولة في كل الأوساط.. ولعل من بين هذه النتائج المهمة المتحققة لجريدة الصباح على يد الأعسم، أن باتت جريدةً مقروءةً من قبل مختلف قطاعات المجتمع، لاسيما الأوساط الثقافية، بعد أن كانت ولفترة طويلة جريدة ربات البيوت -يتندر البعض من أن حجمها الكبير قد منحها ميزة الأفضلية في خيارات ربات البيوت لمسح الزجاج والمرايا-!! لذلك فإن شبكة الإعلام العراقي قد خسرت بإقالة الأعسم خسارة كبيرة. وخسارتها ليست بفقدانها كفاءة مهنية كبيرة، ولا فيما سينعكس على الجريدة من آثار سلبية ستظهر لاحقاً على علاقتها مع القارئ العراقي الذكي فحسب، إنما ستظهر كذلك في اختيار الرئيس الجديد لتحريرها.
إذ سيبقى شبح المقارنة ماثلاً، وطاغياً على المشهد في شبكة الإعلام طيلة فترة الاختيار، بل وحتى بعد تعيين رئيس تحرير جديد لجريدة الصباح، لأن الأستاذ الأعسم ترك بصمة مضيئة على مفردات العمل في الجريدة لا يمكن أن تستبدل بسهولة، كما تجعل المقارنة معه بأي رئيس تحرير آخر صعبة.
ومثلما خسرت شبكة الإعلام بإقالة الأستاذ عبد المنعم الأعسم، فإن القارئ العراقي أيضاً قد خسر في هذه الإقالة.. وكذلك أسرة الصحافة الكبيرة التي خسرت بإبعاده عن مكانه الحقيقي، فالأعسم كان معلماً للأجيال الصحفية الجديدة، وكان معلماً لرؤساء التحرير الجدد، الذين لم تتح لهم الفرصة من قبل لتولي مهام كرئاسة تحرير صحيفة..
لذا فأنا واثق من أن الجميع يتفق معي، في أن قرار الشبكة كان متعجلاً، رغم نفاد العقد كما يقال. وقد كان بالإمكان تمديد العقد سنة أخرى، ألم تمدد العقود لأناس آخرين في مناصب كبيرة في الدولة، وعطاؤهم لا يصل الى ربع عطاء الأعسم.. أو ربما هم بلا عطاء أصلاً؟!
كما إني واثق من أن الجميع يتفق معي في موضوع الخسارة.. واذا كان ثمة شخص واحد لا يؤيد ما أقوله.. فإني أتمنى عليه قراءة بعض الفقرات من سيرة الأعسم المهنية والوطنية، المنشورة في صفحات (ويكيبيديا)، أو الموسوعة الحرة، وهي جهة عالمية محايدة، تؤشر سِيَر أغلب الشخصيات والأسماء المعروفة في العالم دون تحيز.. حيث تقول عنه:
(عبد المنعم الأعسم.. مواليد 1940 في مدينة المحمودية.. متخرج من دار المعلمين عام 1961 .. عمل معلماً في اطراف كركوك.. أعتقل في انقلاب شباط عام 1963 فقضى عاماً في سجون كركوك وبعقوبة، وعاماً آخر في سجن نقرة السلمان..
نشر منذ منتصف الستينيات مقالات وقصائد في الصحافة العراقية، وعمل عام 1970 محررا في جريدة (التآخي) ثم انتقل بعد ثلاث سنوات الى جريدة طريق الشعب محرراً في الشؤون الدولية. درس في الجامعة المستنصرية بقسم اللغة العربية، ولم يكملها لأسباب سياسية، أختطف عام 1978 من قبل قوات الأمن (البعثية) وأفرج عنه بعد تدخل من شخصيات سياسية وإعلامية. ثم اختفى، واضطر الى المغادرة الى سوريا، ومنها الى رومانيا للدراسة، حيث حصل عام 1982 على شهادة الماجستير في علوم الصحافة من معهد ( شتيفان جيورجيو) في بوخارست.
كتب طوال أكثر من ثلاثين سنة الكثير من المقالات في فضح سياسات النظام السابق، وكذلك المقالات الأدبية والفكرية في الصحف العربية، والعراقية. أقام في لندن، منذ العام 1990 وعاد الى العراق بعد سقوط نظام صدام حسين.
تخصص منذ أكثر من عشر سنوات في كتابة العمود السياسي اليومي، والمعروف باسم (جملة مفيدة)!!
سأكتفي بهذا القدر من سيرته العطرة، وأتوقف عند عموده (جملة مفيدة)، لأقول بحق هذا الرجل جملة.. عسى أن تكون (مفيدة) وهي:
أعيدوا هذا الرجل الى (صباحه)!!

