فالح حسون الدراجي
يقيناً أن الكابينة الوزارية التي عرضها الدكتور حيدر العبادي ليست هي الحل الأمثل تماماً، ولا هي العلاج الشافي لأمراض قد أستفحلت، بحيث بات عسيراً علاجها بالمسكنات، والوصفات السريعة الجاهزة. لاسيما وإن في هذه (الكابينة) اكثر من (عطب) فني، وإشكال سياسي، وعليها أكثر من مأخذ. لكن -والحق يقا ل- فإن فيها حسنات جمَّة، منها: أن عرض التشكيلة الوزارية الجديدة على البرلمان، وقبل ذلك على رؤساء الكتل السياسية، الذين هم حماة الفاسدين، ومحاموهم، قد مثلت إمتحاناً حقيقياً لمصداقية المنادين، والمطالبين بالإصلاح زوراً.
فبعد تواصل هتافات المتظاهرين دون إنقطاع لأربعين جمعة صاخبة، وإعتصام الجماهير الشعبية امام بوابات المنطقة الخضراء، وإسشعار السياسيين، وزعمائهم بالخطر المحدق، خصوصاً بعد دخول (السيد) الى حيث يقيمون، ارتدى زعماء الكتل السياسية أقنعة الإصلاح بسرعة فائقة، ولبسوا وجوه النزاهة والنقاء، ليظهروا بمظهر المسؤولية الوطنية، فراحوا -من فرط دجلهم- يتسابقون مع الداعين الحقيقيين للإصلاح، ويزايدون على إنجاز التغيير، بحيث صار التمييز بينهم وبين المفجوعين بفسادهم صعباً.. وبإختصار فقد صاروا ملكيين أكثر من الملك نفسه!! والمؤلم إن اللعبة إنطلت على الكثير من الناس، وبات الفرز صعباً.. وحين كنا نقول للمغشوشين من الناس، أن هؤلاء السياسيين كاذبون، ودجالون وملونون، كنا نواجه من بعضهم بالنقد الشديد، واللوم الكبير بدليل أن بعضهم إتهمنا بالتحيز، والمصلحية، والحقد على نجاحاتهم. حتى جاء يوم عرض وزراء الكابينة على البرلمان، وعلى الزعماء السياسيين قبل ذلك. ليفضحهم الله، ويظهر عوراتهم السياسية، والمنفعية امام الجماهير.. فكانت فضيحتهم عن الإصلاح المزعوم، مدوية امام العالم. لقد كانت إعتراضاتهم على مشروع التغيير الوزاري في البدء خجولة ناعمة، فتُهمَس خلف الكواليس، ثم راحت تتحول من الخفاء الى العلن، ومن الخجل الى الصلافة، ومن النعومة الى الشراسة، بحيث وصل الأمر الى أن يطلب بعض الزعماء من المرشحين التابعين لهم قومياً، او طائفياً الإنسحاب من الكابينة الوزارية، وإلاَّ فإن الويل والثبور، وعظائم الإمور تنتظرهم، إن لم يرضخوا لهذه الطلبات.. ومثال على ذلك إنسحاب المرشح لوزارة النفط الدكتور نزار سليم، بعد تلقيه تهديدات من قبل الزعماء السياسيين المتنفذين في كردستان، بالإنسحاب فوراً، على اعتبار أن هذه الوزارة استحقاقٌ سياسي، ونيابي لإحزابهم، وليس استحقاقاً قومياً يناله هذا الكردي، او ذاك.. ما دفع المتحدث بإسم مكتب رئيس الوزراء الدكتور سعد الحديثي مضطراً، الى أن يعلن في مؤمر صحفي، بأن (إنسحاب المرشح لوزارة النفط، وغيره من المرشحين الآخرين، لا يشكل مشكلة كبيرة)!
وقصدي من الإستشهاد بقول الحديثي يأتي للتدليل بأن ثمة مرشحين (مهزوزين) آخرين غير نزارسليم قد إنسحبوا أيضاً دون ان يعلن ذلك. وعدا مطالبة الكتل السياسية لبعض المرشحين بالإنسحاب من أجل الضغط على العبادي، وتفكيك كابينته الوزارية، فإن التعبير عن رفض الإصلاح قد وصل ببعض زعماء الكتل (الحزبية) الى التحرك السريع لمحاصرة التغيير خارجياً وداخلياً. فكثُرت الزيارات السريعة الى المرجعيات السياسية في الخارج، والمرجعيات الدينية المحترمة في الداخل، فضلاً عن عقد الصفقات المصلحية فيما بينهم، مع التكفل بالوقوف صفاً واحداً بوجه هذه (البلوى) التي حلت عليهم، والتي ستحرمهم ملايين الدولارات التي كانت ترد اليهم من وزرائهم الذين كانوا هم أيضاً (يستفيدون ويفيدون) !! ولعل الأمر الأشد عيباً هو ان بعض الكتل الحزبية عقدت مؤتمرات صحفية تلفيونية بكامل رموزها، وبجميع شخوصها البارزين، بما في ذلك الشخصيات التي لم يقف أحد منها سابقاً في مؤتمر مماثل، او في لقطة اعلامية مطلقاً، سواء من أجل الإدلاء بيان، أو من أجل الظهور بتصريح، غير هذه المرة.. فكم هو مهم، وخطير على مصالحهم هذا الإصلاح؟! واليوم، وحيث إتحد الجميع على محاربة التغيير سراً وعلناً، والوقوف بوجه العبادي بقوة، وتطويقه من جميع الجهات كي لا يمضي بمشروع الكابينة الوزارية نحو ضفاف الأمل، والنجاح. وبعد ان بات الوضع خطيراً، كما لو كان على كف عفريت، وبما ان الجماهير الشعبية هي الجهة الوحيدة القادرة على كسر(خشوم) هؤلاء اللصوص من الزعماء السياسيين (وغير السياسيين)، وإرغامهم على قبول الحق، فإنني أرفع صوتي عالياً، أطالب فيه جماهيرنا الشعبية الباسلة، التي أرعبت السياسيين الفاسدين (الجبناء) في صولة الإعتصام الشجاعة، وجعلتهم يهربون كالجرذان نحو دبي وعمان والدوحة واربيل.. أدعوهم اليوم الى العودة لخيامهم الإعتصامية أمام بوابات الخضراء.. رافعين اصواتهم الجسورة، شرط أن لايرفعوا خيام الإعتصام حتى تعلن الكابينة رسمياً، ويصوِّت عليها البرلمان. وإلاَّ فإن (الجماعة) لن يسمحوا للقطار، الذي يحمل كابينة النجاة، بالمرور من امام (خضرائهم).. لو يحضر حضيري أبو عزيز!!

