الإفتتاحية

الدملوجي بين الزعيم.. و (عصبة) الأمم!

فالح حسون الدراجي

 

لم يزل النواب العراقيون، ووزراء الحكومة العراقية الحالية، والسابقة، والأسبق منهما، وقادة الفكر، والرأي، بما فيهم سياسيونا، ومثقفونا، وعباقرة التحليل السياسي وغير السياسي بل وكل العراقيين الذين هم في دائرة القرار، او في دائرة الدمار (يعني الفقراء مثلي)، مختلفين على ثلاثة أشياء، ثلاثة أشياء لايمكن أن يختلف حولها أي شعب في العالم، مهما كان مستوى، وموقع، وحضارة هذا الشعب. ومهما كانت ألوانه البنيوية، واطيافه التشكيلية، وميوله العقائدية.. وهذه الأشياء هي العلم الوطني.. والنشيد الوطني، واليوم الوطني.. هل لاحظتم كيف أن (جميع هذه الأشياء) تحمل صفة الوطني؟!

ففي الدول العظمى، والمتقدمة في العالم مثل أمريكا وروسيا والصين وبريطانيا والمانيا واليابان وفرنسا، وكذلك في الدول (العظيمة جداً)، مثل السودان وجيبوتي وقطر موزة وغيرها، بل وحتى في اسرائيل، التي تبوس الأيادي والأقدام من أجل الإعتراف بها كدولة رسمياً وشعبياً، وكذلك في الجزر الصغيرة، والإمارات المتناثرة هنا وهناك على محيطات، وبحار العالم، ستجد علماً وطنياً يرفرف على ساريات الحب والإحترام الحقيقي.. وتجد نشيداً وطنياً يحفظه المواطنون في هذه الدول، ويوماً وطنياً يحتفل به البلد وأهل البلد. إن الدول المحترمة تمجد (هذه الأشياء الثلاثة) التي تقترب كثيراً من التقديس في نظرتها لها.. إلاَّ في العراق (العظيم)!! فالوضع مختلف من الباب الى المحراب..

فلا علم وطني يتشرف به العراقيون، فيحملونه على رؤوسهم، سوى علم واحد هزيل، كان البعثيون والقوميون قد أبتدعوه قبل أن يؤسسوا  وحدتهم الثلاثية الكارتونية (التي لم تتأسس طبعاً)، فوضعوا فيه ثلاث نجمات ترمز لدول مصر والعراق وسوريا.. لكن صدام غير رمزية النجمات الثلاث بعد مجيئه للسلطة، وجعل هذه النجمات رمزاً لأهداف البعث: وحدة وحرية واشتراكية (عشتو)!! ثم خط بيده، ومن دمه الملوث بفايروسات الكراهية والحقد والظلم عبارة (الله اكبر)!!  وحين جاء الجماعة بعد سقوط دولة صدام، لم يغيروا من العلم سوى رفع النجمات الثلاث، ليبقى كما كان سابقاً..

كما أن العراق اليوم بلا نشيد وطني خاص بتاريخهم، ونضالاتهم، وعذاباتهم، وأحلامهم، وأفراحهم، وأتراحهم، يكتبه شاعر عراقي، ويلحنه موسيقارعراقي، معجون دمهما بتراب العراق، ومائه الطاهر! فمن نشيد البعث (الذي مدَّ على الأفق جناحا)، والذي كتبه الشاعر السوري شفيق الكمالي (المولود في مدينة البو كمال السورية) عام 1929، ولحنه (اللبناني) وليد غلمية.. الى نشيد (موطني)، الذي كتبه الشاعر الفلسطيني ابراهيم طوقان، ولحنه الملحن اللبناني محمد فليفل! 

وكأن العراق بلا شعراء أفذاذ كالجواهري الكبير والسياب اللامع، ولا ملحنين كبار، كطالب القره غولي وكوكب حمزة وفاروق هلال وغيرهم! والمشكلة أن العراق حتى هذه الساعة بلا عيد وطني.. عيد يتفاخر به العراقيون وينشدون في صبيحته أناشيد الإنتماء لهذه الأرض المعطرة بدم الحسين، والمزدهرة بحضارات سومر وأكد وبابل وآشور.. وحين نال العراق حريته في ثورة الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم يوم الرابع عشر من تموز عام 1958، وتحققت الجمهورية العراقية لأول مرة خصص العراقيون هذا اليوم الأغر كعيد وطني للعراق.. وهو حق، وإستحقاق.. لكن صدام والبعثيين ألغوا هذا اليوم المجيد، وجعلوا يوم انقلابهم في السابع عشر من تموز 1968 عيداً وطنياً، لكن شتان ما بين اليومين.. فذاك العيد كانت الجماهير تخرج فيه منذ الصباح الباكر لتهنئ زعيم الثورة قاسم بإطلالة هذا العيد.. بينما كان الناس يقبعون في بيوتهم في يوم العيد الصدامي خشية الإعتقال، أو الإغتيال، او الإجبار على العمل (بالسخرة) لمنظمات البعث المحتفلة! وبعد سقوط صدام، إجتمع، وتداول، وتناقش، وتجادل نواب البرلمان العراقي الف وخمسمئة مرة، ولأكثر من عشر سنوات، حول إختيار عيد وطني جديد للعراق.. لكنهم لم يتفقوا على قرار واحد حتى هذه اللحظة.. فثمة من يريد العودة الى العيد الوطني الأكبر، والأحق، والأصدق، أي عيد الرابع عشر من تموز، وقد دافع الكثير من النواب الوطنيين الشرفاء عن هذا الرأي.. وثمة من يريد العودة الى يوم الإنقلاب البعثي الصدامي في السابع عشر من تموز 1968، لكنه يخشى الإجهار بذلك، لأنه يعرف أن ضربه من قبل النواب الشرفاء في المجلس لن يكون بالأيدي، إنما سيكون بالقنادر (أجلكم الله)!! إلا أن النائبة ميسون الدملوجي مسؤولة اللجنة الثقافية في البرلمان العراقي أضحكتني كثيراً.. حين رفضت إختيار يوم الرابع عشر من تموز عيداً وطنياً، مفضلة (عصبة) الأمم المتحدة.. أقصد يوم دخول العراق الى عصبة الأمم المتحدة.. 

هسه يا ميسون إلاَّ (عصبة) الأمم المتحدة..!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان