الإفتتاحية

سمير الشويلي.. والمقال (اليبچّي) الحديد!!

فالح حسون الدراجي 

 

قبل تسع سنوات بالكمال والتمام، رحل الشاعر العزيز رحيم المالكي شهيداً، فكتبت عنه مقالاً موجعاً، بحجم الوجع الذي تركه رحيله في قلبي. وكان عنوان المقال: (الآن إنكسر ظهري، وقلت حيلتي يارحيم)!

وأذكر أني كنتُ بعدها بأيام معدودة، مع الصديق المبدع حسام حسن نجم رياضة قناة الحرة عراق، ونجم البرامج، والقنوات الرياضية في المنطقة بلا استثناء، نزور العراق الحبيب. وأذكر أن الصديق الطيب والزميل العزيز سمير الشويلي، قد أقام لنا مأدبة غداء في أحد مطاعم بغداد.. وبينما كنا على مائدة الطعام نتبادل الحديث اللطيف، المرح، الدافئ، المنعش للقلب، خاصة وأن سمير الشويلي من الأشخاص الممتعين، الودودين، الذين يجبرونك على ان تحبهم، وتحب أحاديثهم، وتستمتع بتعليقاتهم الظريفة، وتُسرّ بكلماتهم النقية، ولهجتهم الجنوبية الصادقة. مثلما تعتز بمودتهم الصافية، وصداقتهم الحميمية الأمينة، التي لاتحتاج تجربة وبرهانا. ولأن سمير يتحدث دائماً بلسان قلبه الأبيض الناصع، فإن كلامه يصل لقلوب مستمعيه بسرعة عجيبة، فتنشأ في الحال علاقة طيبة، بينه وبين أغلب مستمعيه، لتتجسر هذه العلاقة وتقوى بمرور الأيام، أي كلما يتضح ويظهر الجوهر الشريف لهذا الفتى الجنوبي الناصع، فتتألق بواطنه بهاءً وعفة، ويتجلى معدنه الحقيقي الذي ينكشف عن طيبة فريدة، وروح خضراء، كخضرة ورق النعناع، فتتعمد روحه العاشقة للخير بماء التواضع الحقيقي، الذي ينبع من كل مسامة من مسامات روح هذا الفتى النقي.. لكن (سموري) -حيث يحلو لي ولحسام حسن أن نسميه دائماً- إنحرف بالحديث فجأة، نحو ضفة سوداء داكنة، غير تلك الضفاف البيض التي كنا نصدح بقهقهاتنا فوق أديمها قبل تناولنا الغداء، حين كنا نقتل بأحاديثنا الفرحة المرحة في ذلك المطعم البغدادي لحظات الأسى التي يمر بها العراق أيام تلك الفتنة الطائفية المدمرة..

نعم، لقد انتقل سمير فجأة نحو سوداوية مقالي عن الراحل رحيم المالكي، فقال بأسى واضح ظهر تأثيره على نبرته وصوته، مستفزاً لحظات شرب الشاي التي كنا ننعم بها تلك اللحظة:-

الله يرحمك (يا أبو حيدر) لقد متَّ وإسترحت من عناء هذه الدنيا!! 

وقبل أن ينهي سمير جملته الكارثية تلك، نظرتُ في وجه صديقي حسام، وقد شعرت وقتها بصعقة كهربائية تصعق قلبي.. فقلت لحسام:

شوف (أبو علي)، مو گتلك هذا سمير بخيل.. شاف أسعار المطعم غالية، وراح يتمنى الموت على دفع الحساب..!!

 فضحك حسام -وهو يحاول تطييب جو الجلسة بعد ان تعكر صفوها-  لكن سمير لم يضحك، ولم يبتسم حتى للمجاملة..

فحاولت إستدراك الأمر، وقطع الطريق على سمير قبل أن يمضي في إستكمال ما بدأ به قبل قليل، وقبل أن يسأله حسام -ربما -عن الأسباب التي دعته لأن يطلق مثل هذا الكلام المُر كالحنظل في هذه الجلسة الحلوة كالعسل، فربما التمني بالموت يكون مقبولاً من أي شخص آخر  إلاَّ من سمير الشويلي -الضاحك للحياة- فهذا أمر لايصدقه عاقل بتاتا. لذلك تجدني أقول له مباشرة، وانا أحاول قلب الموضوع:- ليش ما تتزوج سموري؟!

فضحك، بمرارة، وهو يقول:

هوَّ منو ضامن حياته.. حتى أتزوج؟

قلت له: وهل ان جميع المتزوجين في العراق قد ضمنوا حياتهم؟

فقال: لا خويه أبو حسون، انا وضعي يختلف عن الجميع.. فقد وجدت نفسي في الدنيا، وكأني أب لعائلة كبيرة بعد رحيل والدي، فثمة أمانة كبيرة كانت في عنقي، وعليَّ أن أتحمل مسؤوليتها بشرف: إعالة، وتأميناً، وضماناً لمستقبل أفرادها.. ولا يمكن ان اؤسس سعادتي على تعاسة اخوتي وامي مطلقا.. خاصة وأن أغلبهم اليوم بحاجة لي.. وأنت تعرف بأن أخاك سمير لا يهرب من تحمل الأمانة؟

 ثم غير الحديث مرة أخرى، ولكن بعودته للموضوع المحزن نفسه.. فقال: كان مقالك يا أبا حسون عن رحيم المالكي منصفاً، ورائعاً، رغم وجعه وحزنه الكبير، وقد عرفت رحيم المالكي من خلال مقالك، رغم ان رحيم صديقي أيضاً!!

قلت له: أشكرك جداً.. وأظن أنك تعرف بأن رحيم المالكي لم يكن صديقي فحسب، إنما كان بمثابة أخي الأصغر.. وهنا مسكني سمير من يدي، وقال لي بمودة وحب:

 أبو حسون.. خيعونه اليموت، وأنت ترثيه بمقال..

ثم اكمل قائلاً: عليك بداعة اختي ام حسون -وآني أدري انت تحبها كلش- إذا متت، إكتب عني مقال من مقالاتك التبچَّي الحديد..

واليوم حيث (يموت) سمير الشويلي، وحيث أكتب عنه المقال الذي أراده مني، لكني لست متاكداً إن كان مقالي هذا (يبچّي الحديد) ام لا!

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان