الإفتتاحية

لماذا يستهدفون مدينتي كل يوم؟!

فالح حسون الدراجي

 

تُستهدف جميع مدن العراق بمفخخات الموت من قبل أتباع (أبو بكر) البغدادي، بين فترة وأخرى.. إلاَّ مدينتي، فهي الوحيدة التي تستهدف كل يوم تقريباً.. والأسباب معروفة طبعاً..

وتستهدف أسواق المدن العراقية بمتفجرات الحقد بين فترة وأخرى، منذ أيام مشعول اللشة (أبو عمر) البغدادي، إلاَّ أسواق مدينتي، فهي وحدها التي تتفجر في هذا العالم كل يوم.. والأسباب معروفة حتماً!!

 حتى (مساطر) العمال في مدينتي، فهي الأخرى (تحظى) بإهتمام متميز من قادة مطايا الموت الوهابي، إذ تراهم يخصَّونها بسيارات أكبر حجماً، قد تعادل الواحدة منها ثلاثة، أو اربعة احجام السيارة العادية، وطبعاً فهي مفخخة بمتفجرات أشد فتكاً من تلك المتفجرات المستعملة في إنفجارات باريس، أو بروكسل، أو سوگ الغزل!! ناهيك عن أن البغال الإنتحارية المستخدمة في تفجيرات مدينتي بغالٌ مميزة، ومن النوع (المحسنَّ)، إذ يقال ان أغلبها (مستورد) من نجد، والحجاز خصيصاً للإنتحار في أسواق وشوارع ومساطر مدينتي ..!! أما لماذا (الإهتمام) الإرهابي الإستثنائي بمدارس وملاعب وأسواق وساحات وشوارع مدينتي، فأسمحوا لي -وكلي إحترام لمدن وأسواق العراق الحبيب جميعاً -أن أقول: أن مدينتي، سواء حملت إسم الثورة، او الصدر، او عبد الكريم قاسم أو (حمَّلوها) أي إسم آخر، هي المدينة التي ينتخي بها العراق في معاركه وثوراته، وانتفاضاته، وتظاهراته، ومسيراته، وتضحياته الجسام، وهي المدينة (النهر) المتدفق دماً وقتما يحتاج العراق لدم، والمترعة إبداعاً أخضرعلى طول وعرض التاريخ  حين يجد الجد، وتتنافس الشعوب بماراثون الإبداعات العظيمة..

مدينتي التاج المرصع بالمجد على راس المدن، والنار العالية فوق أعلى جبل في جبال هذا الزمان. وهي قصيدة العراق التي لا يختلف إثنان على روعة شاعريتها، وسمفونية الجمال الخالدة، التي لا ينشز أيقاعها مهما إختلف العازفون، أو أرتبك المايسترو -لا سمح الله-

 أما أهلنا في مدينة الثورة (مدينة الصدر)، فهُم نفس أهلنا الثابتين على النضال الوطني ونفس الصامدين في جهادهم الطبقي، والراكزين في خندقهم الجهادي مهما اختلفت راياتهم، وتعددت الوانهم وخطاباتهم ومنصاتهم ومنابرهم الشريفة. هم اهلنا الكرام رغم العوز، والأنقياء المبتهجون رغم (كدر) الزمان.. والمضيئون بنور إيمانهم برسالاتهم الفكرية والعقائدية والدينية.. وأهلنا -وإن إختلفوا -في الطرق والرؤى، لكن شعاع نور علي بن أبي طالب يوحد صفوفهم، وراياتهم الحمر والخضر والبيض والسود.. إلاَّ رايات البعث المهزومة، فهي الملعونة، والمنبوذة الى يوم الحلم الكبير..

صحيح أن إسم مدينتي يتغير بين مرحلة وأخرى، وقد يتغير أيضاً في كل العهود والأزمان، والأزمات، لكنها تبقى مدينة للحب الناصع رغم كل قذارات الساسة والسياسة، ومدينة للجمال رغم قبح التاريخ، وأزبال أمانة بغداد. ومدينة العشاق والأشواق والأسواق، التي تستقبل سيارات الحمل الجهنمي الطائفي الأسود، بدلاً من سيارات الخضار، والفاكهة الملونة بالعافية والأمان!!

نعم ستبقى مدينتي، مدينة (الخُلگ الطويل) الأطول من عمر الطغاة! والمدينة الصبورة، القوية، العنيدة، التي لا تجزع، ولا تخضع، ولا تركع، ولا تضجر، أو تقهر، أو تستكن، أو تهرب امام إرهاب، أو جراء تفخيخ، أو تهميش.. والمدينة التي لا تيأس من تأخرٍ في تحقيق حلمها، فتقطع الأمل عن مجيء سيارات الحمل المحملة يوماً بالورد، والمشمش أبو الخد وخد، أو خوخ (زامل سعيد فتاح) الزردالي!!

مدينتي.. مدينة الفقراء، والشرفاء، والشعراء، والشهداء، والأصلاء.. والنجوم والأقمار والشغيلة المعطرة ثيابهم بعرق الكدح الشريف.. ومدينة الأبطال المعطرة دماؤهم بياسمين الشهادة على مر العصور .. 

هكذا كانت، وهكذا ستكون: مدينة الثورة، والثوار، وقلعة الحرية والأحرار.. مدينة الشجاعة والشجعان، والفروسية والفرسان، ولأنها كل ذلك، فقد وضعوها على لائحة موتهم الدائم، فباتوا يفجرون كل يوم أسواقها وملاعبها ومدارسها، كي لاينبت فيها جيل جديد، يشبه جيل علي رشم، الذي حمل رشاشه، وشبابه، وحلمه الشاعري، ومضى لمقاتلتهم، ودحرهم، فحمى بدمه رايات وطنه الأبيض، رغم سواد وجوه الفاسدين في سدة الحكم.. 

سلاماً لمدينة الصدر، بدءاً من سلال وأقفاص سوق اعريبة الممتلئة بالدم، وانتهاء بأسواق الفجيعة الى ما بعد السدة الشامخة بالتحدي!!

 وسلاماً لمناطق بغداد العشر (حتى كتابة هذا المقال) التي فجعت أمس بمفخخات العار الأسود..

 

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان