فالح حسون الدراجي
بحكم عملي الصحفي الطويل، إلتقيت وزراء عراقيين وغير عراقيين كثر.. فالصحفي يبحث دائماً عن المعلومة المهمة، والجديدة الطازجة، وهل هناك اكثر من الوزير أهمية ليتحدث عما في خزائنه من معلومات حكومية ووزارية؟ فبدلاً من الذهاب الى مكاتب الوزراء، ومستشاريهم للبحث عن المعلومة يكون من الأفضل، والأحسن طبعاً أن نذهب الى الوزير نفسه.. ولأن وزارة النفط هي (أم الخبزة) والكنز الذي يعيل اليوم اكثر من ثلاثين مليون عراقي. فقد كان لزاماً علينا أن نمضي الى هذه الوزارة، والى رأسها المهندس عبدالكريم لعيبي لنلتقي به ونحصل على ما نريد من معلومة. وإذا كنت قد إلتقيت في حياتي وزراء كثيرين كما ذكرت في أول المقال، فأن من الطبيعي أن يكون بعضهم ـ وليس جميعهم طبعاً ـ قد نال إعجابي بما يملك من معلومات دقيقة وصحيحة عن وزارته، بل أن بعضهم يعرف أصغر وأدق التفاصيل عن مؤسساته الوزارية وأدائها. وليس سراً أذيعه حين أقول اليوم أن وصول عدد من الشخصيات الوطنية والجهادية الى المناصب الأولى في الوزارات لاسيما وأن فيهم من كان صديقاً، أو قريباً، أو رفيقاً، أو زميلاً في الدراسة، قد فتح لنا أبواب اللقاء مع عدد غير قليل من الوزراء الحاليين.. وبالتحديد بعد سقوط دولة التمييز والإنحياز الصدامية. تلك الدولة التي كان يحرم فيها ابن الجنوب، أو ابن المناطق الشعبية (الأخرى) من الوصول الى المواقع الوزارية، والمناصب الأولى إلا لمن كان ذيلاً لصدام.. أو كان بعثياً محترفاً في (كسران الرگبة) فينفذ أوامر الطغاة أشد من الطغاة أنفسهم!!
فوزير الدفاع في حكومات صدام مثلاً كان من (مدينة تكريت)، ووزير الصناعة من بيجي.. ووزير الداخلية من الحويجة ، ومدير الأمن العامة من ناحية العلم.. ومدير الاستخبارات من ناحية (الصينية) ونائب رئيس الدولة من الدور.. وهوية هذه المدن معروفة طبعاً.. أما الكفاءات، والقدرات، والتخصصات الجنوبية فإنها لن تحصل على غير المواقع الدنيا، والسفلى من الخارطة الحكومية!!
نعم، لقد إلتقيت وزراء عراقيين كثرا من قبل.. ويقيناً أن فيهم الكثير قد أعجبني بما يتعلق في معرفته وإطلاعه على مفردات وتفاصيل وزاراته، لكن والحق يقال أن وزير النفط الحالي المهندس عبدالكريم لعيبي (حاجة تانية) كما يقول المصريون.. ليس لأنه واحد من مبدعي بلادي في صناعة النفط الوطنية فحسب، وليس لأنه ابن الجنوب المظلوم، الذي أعاد له العراق الجديد بعض حقه، وحق أبناء جلدته المظلومين فقط، فوصول كفاءة وطنية جنوبية مثل عبد الكريم لعيبي لمنصب وزير النفط يعد بمثابة إعادة لبعض حقوق الكفاءات العراقية المظلومة منذ عهد نوح عليه السلام، وليس لأن الرجل بسيط جداً مثل رغيف الخبز، ومتواضع جداً رغم إمكاناته الهندسية النفطية فحسب أيضاً، إنما لأن (وزير النفط العراقي) الذي يعرف عن النفط أكثر مما يعرف الفلاح عن زرعه وأرضه ومحصوله سنبلة سنبلة، هو رجل مثقف يإمتياز، يفهم في الثقافة كما يفهم أي مثقف كبير.. ويعرف في الشعر مثلما يعرف أي شاعر مهم في العراق، ويتفهم أوضاع، وحاجات المثقف كما يجب أن تكون.. وبنفس الوقت فهو يفهم إحتياجات ومتطلبات المؤسسة الثقافية كما يفهمها القائمون على هذه المؤسسات.. لذلك فقد تحَول اللقاء الذي جمع رؤساء تحرير الصحف المستقلة، والقنوات الفضائية الوطنية بمعاليه من (النفطي) الى الثقافي والإعلامي.. فتحدث لعيبي بوعي وإدراك تامين عن خطورة الكلمة في المرحلة الراهنة. وعن أهمية القصيدة والقصة واللوحة في هذا الزمن الدقيق.. بل أنه طلب من رئيس تحرير المجلة التي ستصدر قريباً عن وزارة النفط أن يكون غلاف المجلة الأول لوحة للفنان فائق حسن، أو الفنان جواد سليم، أو الفنان فيصل لعيبي أو من كبار التشكيليين العراقيين، وليس صورة له، أو صورة مماثلة..
ولعل الأمر المميز جداً في حديث وزير النفط أنه تحدث عن وضع الصحف العراقية المستقلة وظروفها وكأنه واحد من رؤساء تحريرها وليس وزيراً للنفط فقط.. وإذا كان هذا الوزير قد دافع بقوة في لقائه بالإعلاميين أمس الأول عن الحكومة وأداء مفاصل الحكومة ـ وهذا من حقه طبعاً ـ فإن الرجل قد إنتقد أيضاً أداء الكثير من المؤسسات والوزارات الحكومية. ولعل الشيء الملفت في هذا اللقاء أن الجميع خرج فرحاً سعيداً واثقاً من مستقبل العراق بعد أن تحدث معاليه عن واقع ومستقبل النفط في العراق بالأرقام والتفاصيل ختاماً أقول أن أجمل ما سمعته كان من أحد الزملاء بعد ما غادرنا الوزارة حين قال:( والله لو بيدي أخلي عبدالكريم لعيبي وزير النفط، ووزير للثقافة.. لأن على الأقل هذا الوزير مثقف، وذواق، ونزيه، وصادق، وخوش ولد!!

