ثقافة شعبية

قريةُ العائلة

مناضل التميمي

عند أطراف الهور ،

كانت قصباتُ ظلّي

تكبرُ بهدوءٍ ،

مثل أعمارٍ مؤجلة ،

سيقانٌ ملساء

تتمايلُ قرب الماء ،

كأنّ الريح

تعرفُ أسماءها القديمة ..

هناك ،

تختلطُ رائحة الطين

بأصوات الغائبين ،

وتبدو الأرضُ

أكثر وفاءً

من ذاكرة البشر ..

ذلك الفراغُ

الذي اتّسعَ فجأةً

في الجهات كلّها ،

شيءٌ يشبهُ

انطفاء نافذةٍ

في آخر العمر ،

أو صمتَ بيتٍ

أطفأتْهُ الخطواتُ الأخيرة ..

ومنذ ذلك الوقت ،

صار ظلّي

يمضي وحيداً

بين القصب والماء ..

كأنّهُ يصغي ،

إلى نداءٍ خفيّ

لا يسمعه سواه ..

كان الهورُ

كلّما اقترب منه ،

يُخرجُ لهُ

قصبةً أكثر نحولاً من الريح ،

وأشدَّ طراوةً

من قلبٍ يتعلّم الفقد ..

في الليل ، السماءُ

تفتحُ عتمتها البعيدة ،

والقاربُ الصغير ،

يمضي ببطءٍ ،

كأنّهُ يشقُّ قلب العالم ..

وكان ظلّي  ..

يُنصتُ طويلاً ،

إلى شهقة القصب ،

إلى ارتعاش الريح ،

إلى الحزن ،

وهو يخرجُ خافتاً

من فم الغياب ..

لم يكن يريدُ

ساقاً أخرى ،

تُزرعُ عند حافة القرية ،

كان يريدُ ناياً ،

ناياً طويلاً ،

تسكنهُ رائحة الماء ،

وثقوبٌ مصقولة

تعبرُ منها

مرارةُ الأيام القادمة ..

فالأحزانُ الكبيرة

لا تبحثُ دائماً

عن البكاء ..

أحياناً ،

تكتفي

بأن تُرمّم خراب روحها

بموسيقى

لا يسمعها أحدٌ سواها ..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان