ثقافة شعبية

قراءة في نص “هذيان ليلة العيد”  للشاعر عدنان الفضلي

رياض عبد الواحد السعد

يشتغل النصّ الشعري – النثري (هذيان ليلة العيد) للشاعر عدنان الفضلي على تفكيك المعنى التقليدي للعيد بوصفه زمناً للفرح الجمعي ليعيد إنتاجه بوصفه لحظة انكشاف وجودي حاد ، إذ تتحول المناسبة الاجتماعية إلى مرآة داخلية ترى الذات فيها هشاشتها وعطبها العميق. إن الكاتب لا يواجه العيد بوصفه حدثاً زمنياً عابراً لكن بوصفه سلطة رمزية تفرض على الإنسان واجب الابتهاج، فيما الروح غارقة في خرابها الخاص. ومن هنا تنشأ المفارقة الكبرى في النص: الخارج يحتفل بينما الداخل يتداعى ببطء تحت وطأة الافتقاد.

 لا تؤدي اللغة وظيفة السرد بقدر ما تمارس طقساً اعترافياً مشحوناً بالانفعال الفلسفي. فالذات لا تتكلم من موقع الاستقرار لكن من منطقة التصدع لذلك تتكاثر الجمل بوصفها ارتجاجات شعورية أكثر من كونها بناءً منطقياً للأفكار. النص أشبه بمونولوج وجودي طويل تتداخل فيه الهذيانات مع التأملات، والرموز مع الانكسارات النفسية، حتى يغدو الكلام نفسه محاولة يائسة لترميم الذات عبر اللغة.

ومن أكثر ما يمنح النص عمقه تلك القدرة على تحويل الأشياء اليومية إلى علامات أنطولوجية. فالطاولة، والزجاجة البيضاء، والعنب الجاف، والأشكال المثلثة، ليست مجرد تفاصيل وصفية، وإنما أدوات لاستحضار طقس بديل عن العالم.  تعيد الذات في هذا النص  اختراع شعائرها الخاصة في مواجهة خواء المعنى وكأنها تحاول أن تؤسس ديناً شخصياً للحزن. حتى اللون الأخضر للقلم لا يبدو اعتباطياً بيد انه يحمل إيحاءً خفياً بالرغبة في استعادة حياة تتآكل باستمرار.

كما أن النص يشتبك بوضوح مع مفهوم (الاغتراب الوجودي)، فالشخصية لا تشعر بانفصالها عن الآخرين فقط بل بانفصالها عن ذاتها أيضاً. لذلك تتكرر النداءات: (يا أنا)،  (يا للعيد) بوصفها محاولات لاستدعاء هوية متشظية لم تعد قادرة على الإمساك بنفسها. إن الذات هنا ليست وحدة مستقرة غير انها كيان يتشقق تحت ضغط الذاكرة والخيبة والرغبة المؤجلة.

وتبدو الكتابة داخل النص فعلاً خلاصياً ومع ذلك فهي خلاص مؤقت وملتبس. فالسارد يكتب لا لأنه يمتلك يقيناً بل لأنه يخشى السقوط الكامل في الفراغ. الحروف (المموسقة بلحن شجني) تتحول إلى بديل عن الحياة، وإلى محاولة لترويض الفجيعة عبر الإيقاع. ومن اللافت أن النص يمنح اللغة سلطة تعويضية، إذ كلما عجز الواقع عن منح الذات معنى توسعت الجملة الشعرية لتعويض ذلك النقص الوجودي.

أما استحضار (الغجري الأعور) وفضاء الحانة فيفتح النص على بعد عبثي قريب من الرؤية الوجودية السوداوية حيث الحكمة تأتي من الهامش، ومن الشخصيات المكسورة والمنفية اجتماعياً لا من المراكز المستقرة، وكأن الذات لا تتعلم حقيقتها إلا في المناطق المعتمة من العالم حيث السقوط الإنساني أكثر صفاءً وأقل تزويقاً.

 ينجح النص ايضا  في بناء جدلية دقيقة بين الطقس والانهيار. فكل الطقوس المعدة بعناية — الشراب، الكتابة، الأرواح المستحضرة، الكؤوس — تنتهي إلى العجز عن إنتاج (السكرة) أو (الترنح). وهذه لحظة فلسفية بالغة القسوة لأن الإنسان يكتشف أن حتى أدوات الهروب فقدت قدرتها على الخداع. هنا يبلغ النص ذروة وعيه التراجيدي: لم يعد الألم قابلاً للتجميل، ولم تعد الطقوس قادرة على تأجيل الحقيقة.

وفي المستوى الأسلوبي، يعتمد النص على تدفق لغوي كثيف يقوم على الجملة الممتدة والنداءات المتكررة والاستفهامات القلقة، مما يمنحه إيقاعاً نفسياً متوتراً يشبه تيار الوعي. وهذا التوتر لا يبدو مفتعلاً، بل نابعاً من انسجام الشكل مع طبيعة التجربة الداخلية. فالنص لا يريد أن يكون مرتباً بقدر ما يريد أن يكون صادقاً في فوضاه.

إن (هذيان في العيد) ليس نصاً عن مناسبة عابرة بل عن الإنسان حين يفشل في التصالح مع العالم ومع نفسه في الوقت نفسه . إنه نص يلامس العطب الوجودي بلغة شعرية سوداء، ويكشف كيف يمكن للمناسبات المخصصة للفرح أن تتحول لدى الأرواح المرهقة إلى مواسم لاستيقاظ الذاكرة والخذلان والأسئلة المؤجلة ، ولذلك فإن قوة النص لا تكمن في حكايته لكن في تلك القدرة النادرة على جعل الهذيان نفسه شكلاً من أشكال المعرفة.

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان