فالح حسون الدراجي
أمس شاهدت في اليوتيوب مقطع فيديو فطّرَ قلبي فطراً، وأبكاني بكاءً مراً لم أبكه حتى عند وفاة أمي، وفقدان أبي.
كان الموضوع لمادة تلفزيونية لا أعرف من أية شاشة عرضت، لكني اعرف ان احد الإعلاميين الشباب قد أنجزها بحرقة قلب، وبحس وطني، وإنساني مرهفين.
والفيديو، بكل ما فيه، يتلخص بامرأة جنوبية حرة طاهرة.. تقيم في أقصى أقاصي الجنوب.. حيث تقع هناك محافظة الظلم الأبدي. وولاية الضيم التأريخي، محافظة ميسان وتحديداً قضاء الكحلاء
فهذه المرأة التي يفترض بها ان تكون صلبة قوية، باعتبارها -جنوبية –ظهرت مكسورة مثل زجاج صُدِّم بحجر شرس، وموجوعة بألف داء وداء.
لقد نكبها الزمن الظالم، وفجعتها المصائب، وأتت حكومتنا الرشيدة -هاي الحكومة والگبلها والگبلها – على ما تبقى من جبروتها، وصمودها الجنوبي، الأسطوري.. حتى بات حالها حال المطرب الكبير فاضل عواد الذي غنّى يوماً على نفسه، فقال بألم: دمعتي بطرف العين .. بس أرمش تطيح .. بويه!!
فهذه السيدة يا سادة. أم لشهيد استشهد ضمن قوات الحشد الشعبي.. أوكي؟
وهي أيضاً أم لمقاتل، لم يزل يقاتل في صفوف الحشد الشعبي دفاعاً عن حرية علي حاتم سليمان ولقاء وردي، وفلوجة (احنه تنظيم اسمنه القاعدة)! أوكي؟
وهذه الأم العمايرچية (المقدسة)- غصباً عن خشم اليرضه، والمايرضه -، جائعة وضائعة، وبائسة، وهي اليوم بلا مأوى يأويها من لهيبِ حزيران. تعيش على ربح ما تبيعه في بسطية صغيرة جداً، بسطية هي أصغر من (حلگ) صالح المطلك، وأكبر بقليل من عجيزة حيدر الملا، أو مؤخرة ناهدة الدايني.. بسطية عارية مكشوفة مثل (بيتها) المكشوف، تبيع فيها (البقصم) أي الكعك، وتقع مقابل شركة (البترو چاينه) في الكحلاء.. ربحها في اليوم لا يتجاوز الخمسة آلاف دينار.. خمسة آلاف دينار عراقي فقط.. فهل تصدق مثلاً النائبة ميسون الدملوجي ان أمرأة في بلاد النفط والخير، تعيش بخمسة آلاف دينار.. لا غير !!
لقد كانت هذه الأم الطاهرة قبل ذلك تسكن في بيت صفيح.. لكن (العاصفة المجنونة) التي هبت على الكحلاء قبل أيام أزالت بيتها كله ولم تبقِ منه شيئاً لذلك أصبحت اليوم بلا سكن..
يعني بالعراقي الفصيح تنام بالشارع..
شاهدتها أمس بالفيديو (تحچي وتبچي) بل هي (تبچِّي الصخر) أساً، ووجعاً.. فجلستُ لوحدي قبل الإفطار بساعة، مكسوراً مهزوماً، منحوراً بالأسى من الوريد الى الوريد. جلست على ركبتيَّ مثل قائد حرب مهزوم، أو ربما مثل نبي حقيقي، لم يصدق نبوءته الاخرون.. فبكيت.. وبكيت وحدي.. ثم شتمت وصرخت، وكفرت بكل شيء.
كان وجعي من أجلها كبيراً، وألمي على العراق، مراً حنظلاً.. وكي أكون صادقاً.. أقول لكم إني لم أعتب في صراخي على حيدر العبادي، ولا على نوري المالكي الذي سبقه في الحكم، ولا على النجيفي او على الجبوري او على راس القوري.. كما لم أعتب على صديقي الطيب محافظ ميسان علي دواي، رغم انه خوش ولد ويسوه العتب، إذ كيف يزور دواي قضاء الكحلاء هذا الأسبوع، وفي الأسبوع الذي سبقه ولم يرَ هذه الأم العمارية الطاهرة، وهي تجلس بكل حزن السومريات تحت الشمس الكافرة، دون ان يوقف سيارته عندها، ويجلس قبالتها، ويقبل يديها الطاهرتين، ثم يبكي وينوح معها.. ويأتي بالعمال، ليبنوا لها بيتاً صغيراً، وكيف يمكن لمحافظ نزيه مثل دواي أن ينام ليله، وثمة ام لمقاتل وشهيد تنام ليلها في العراء، وتحت ستر عتمة الليل؟!
كما لم أعتب على شركة (البترو چاينه)، لكونها لم تبنِ بيتاً لهذه المرأة المسكينة، وهي التي بنت المدارس والمستشفيات ومطاراً للعراقيين، إذ لا يحق لي أن أعتب على شركة صينية، قبل أن أعتب على رئيس حكومتنا العراقية، أو على محافظ (ولايتها)، أوعلى اهل العمارة، او أهل الكحلاء الغيارى النشامى الذين يمرون عليها يومياً ويرون حالها المزري، فيسكتون ..؟
نعم فأنا لا اعتب على هؤلاء جميعاً، إنما أعتب فقط على ابنها الذي يقاتل اليوم ضمن صفوف الحشد الشعبي من أجل تحرير الفلوجة!!
وأقول له: (ولك انت مجنون).. عن أي فلوجة تدافع، وعن أي تحرير تبحث، وأمك أسيرة الضيم جائعة حزينة تلتحف التراب.. وتنام في العراء ؟!
تعال يا ولدي، واحمل امك على ظهرك.. وابنِ لها بيتاً من أضلاعك، وشيّد لها مأوى من نبضات فؤادك..
تعال، وانسَ كل ماقيل ويقال لك.. فكله كذب بكذب.. وأمك الحقيقة الوحيدة في الكون.. ما من أحد يستحق ان تموت لأجله. فلو كانت حكومتك تخجل لقدرت دم أخيك الشهيد. ولو كانت الفلوجة تستحق دمع امك، لما شتمتكم قحبة الخيام والمنصات – حسب رواية الهايس -..!!
فارمِ بندقيتك بوجوههم، وعُد لأمك .. عُد
وطز بالوطن .. وبالفلوجة .. حين تكون المقارنة بين الأم والفلوجة؟

