فالح حسون الدراجي
خسرت الأرجنتين بطولة كوبا أمريكا.. أو بالأحرى خسرها ميسي.. متحملاً المسؤولية بشرف ورجولة وذمة عالية، دون ان يرمي كرة الخسارة في مرمى غيره، على الرغم من أن ميسي لم يكن مسؤولاً عن هذه الخسارة، بل ان هذا الفتى كان بطل المباراة، وفارسها الأول دون منازع.. بعد أن تلاعب بلاعبي منتخب تشيلي يميناً وشمالاً، وأقلق دفاعات وحارس مرمى الخصم منذ الدقيقة الأولى من المباراة حتى الدقيقة الأخيرة من شوط التمديد الثاني..
نعم فميسي هو الذي خسر البطولة، وليس منتخب الأرجنتين.. وقد رأينا كيف كانت صورة ميسي المأساوية بعد نهاية المباراة، وكيف سالت دموعه نقية صادقة متدفقة على لحيته ووجنتيه، بينما كان بعض زملائه في منتخب الأرجنتين يتبادلون الفانيلات، والقبلات مع لاعبي منتخب شيلي، وكأنهم الفائزون بهذه البطولة، وليس خاسريها لثلاث مرات متتالية.. في حين أن البعض الآخر من منتخب الأرجنتين كان منشغلاً بعد نهاية المباراة بتناول الماء والمرطبات..وقد نقلت عدسات الكاميرات لنا صورة لميسي وهو يجلس على (المصطبة)، منكسراً، مهموماً منطفئاً حزيناً بصدق، لا مجال للشك فيه مطلقاً، وكأنه فانوس نفذ زيته.. أو جنرال حرب مهزوم، ومطعون بكرامته العسكرية، وفروسيته الشخصية.. وأظن أن السبب يعود، لكون ميسي شعر بأن هذه الخسارة، ستكون خسارته الشخصية، وليست خسارة غيره، فهو قائد الفريق، ولاعبه الأهم ونجمه الألمع، وفرس رهانه الأول، بينما الفوز يكون فوزاً لكل الأرجنتينيين دون استثناء!!
وباختصار شديد أقول: إن منتخب الأرجنتين بطوله وعرضة، ومن ألفه، الى يائه (ما يسوه فلسين بدون ميسي)!!
لقد خسر ميسي هذه المباراة المهمة، رغم انه صال وجال وقال، على مدى مائة وعشرين دقيقة، مقدماً لرفاقه المهاجمين كرات ناضجة على أطباق من ذهب، لكن بعض زملائه (من ذوي العاهات المستديمة)، أمثال (هيگواين.. وأگويرو)، ومعهما المتمارض العليل (دي ماريا)، الذي يلعب شوطاً، ويقعد الف شوط، قد أضاعوا هذه الكرات برعونة، وسذاجة، وغباء لا يحسدون عليه!!
والمشكلة أن كل الجهود التي قدمها ميسي في مباراة الختام قد نسيت تماماً امام ضربة الجزاء التي أضاعها بضربة حظ عاثر، ما دفع البعض الى أن يهاجمه بلا هوادة، دون أن يحتكم لضميره، او لعقله، لاسيما الصحفيين في وسائل الإعلام الأرجنتينية، المنقسمين بولائهم بين هذه الجهة وتلك، فكان رأس ميسي هو الضحية في هذه الخسارة الموجعة، لذلك انهار ميسي المسكين، الذي لم يقدرعلى تحمل قسوة ألمين كبيرين.. ألم الخسارة المذلة وألم شماتة الشامتين، وكأنه يخاطب الفوز، أو يحادث الكأس، فيقول له: (جفاك .. وفرحة الشمَّات بيه)!! ولكن المفاجأة لم تكن في دموع ميسي، ولا في شدة الحملة القاسية التي انطلقت ضده.. إنما في قراره المدوي باعتزال اللعب دولياً.. فكان من الطبيعي أن يحدث هذا القرار رجة في دماغ الارجنتين كلها، حتى ان بعضهم ظهر على شاشة التلفزيون وهو يتوسل بالمذيع قائلاً له: أرجوك لاتقل هذا الكلام امامي، فتحيله الى حقيقة واقعة، لأني لم ازل متيقناً من أن الموضوع كابوس من الكوابيس التي أتعرض لها، كلما أتناول وجبة عشاء دسمة. ثم انهار الرجل بالبكاء صارخاً: أرجوك .. أرجوك .. أرجوك !!
ولم يكتف هذا القرار بإحداث رجة في دماغ الأرجنتين، إنما أحدث أيضاً ضجة في ميادين ومواقع القرار السياسي العليا في العالم.. إذ يقال إن أكثر من رئيس دولة بما في ذلك الرئيس الأمريكي أوباما قد اتصل برئيس الأرجنتين، يستفسر فيه عن مدى دقة قرار اعتزال ميسي، وقد انهالت هذه الاتصالات والمكالمات الرئاسية الدولية على المقر الرئاسي الأرجنتيني بعد أن أعلن الرئيس عن طلبه الى ميسي بالتراجع عن قرار الاعتزال..!!
ولم يكن رؤساء العالم وحدهم الذين تدخلوا لثني (الرئيس) ميسي عن قرار اعتزاله المنصب الجماهيري إنما تدخل أغلب أساطير الكرة في العالم بدءاً من الأسطورة مارادونا والأسطورة بيليه الى الأسطورة كاظم مطشر!!
أحلى عبارة سمعتها في مقطع فيديو على اليوتوب، قالتها فتاة أرجنتينية تخاطب فيه ميسي، وتقول له:
رجاء لا تعتزل يا ميسي.. فالخسارة ليست هزيمة أبداً.. إنما الهزيمة في الانسحاب من الميدان، والهروب من المواجهة .. وخذني مثلاً لك فأنا خسرت ماما وبابا وشقيقتي في حادث سيارة.. لكني لم أهزم قط.. فدرست واجتهدت وحصلت هذا العام على المركز الأول في الدراسة الثانوية بعموم بوينس أيرس.. رغم أني أعيش وحدي..!!
يقال إن ميسي بكى كثيراً حين رأى هذا الفيديو .. وربما سيعدل عن قراره بعد هذا الأمر .. ربما!!

