الإفتتاحية

الفوز (سنيٌّ) .. والخسارة (شيعية) !!

فالح حسون الدراجي

 

لا أتذكر بالضبط، من الذي قال: (الهزيمة يتيمة.. والنصر بألف أب)! لكني أعرف جيداً معنى المثل الذي يصلح تعميمه على آلاف المجتمعات، والأقوام، والتجارب البشرية، وينطبق وصفه على أغلب الشعوب، في مختلف الأزمان والأماكن!

واليوم إذ اجد في العراق آلاف الهزائم المسكينة التي تبحث عبثاً عن أب، أو متبنٍ، أو حتى كفيل. فإني أجد للأسف أيضاً آلاف الآباء المزورين لنصر لا وجود له.. وكي أكون منصفاً فإن هذا الأمر ليس جديداً علينا، ولا هو من بنات أفكار سياسيي، وعسكريي عراق ما بعد صدام ..إنما هو أمرٌ قديم قد يكون أقدم من نوح وسفينته !!

لكن والحق يقال ،فإن سياسيي وعسكريي الزمن الحالي أثبتوا بشكل قاطع، أنهم أشد نفاقاً، وإدعاءً وكذباً ممن سبقهم في هذا المجال.

فمثلاً، حين احتل تنظيم داعش مدينة الموصل والفلوجة، لم يقل أحد من السياسيين الموصليين أو من أشباههم أن محافظ نينوى أثيل النجيفي قد هرب من الموصل وسلّم مفاتيحها للغزاة دون أن يقاومهم أو أن يطلق رصاصة واحدة باتجاههم، إنما رموا عار الهزيمة كله على عاتق جهة معينة، فادعوا مثلاً أن جيش (المالكي)، هرب من المواجهة في الموصل، وترك مواقعه لداعش.. وطبعاً فهم لم يقصدوا المالكي بعنوانه واسمه الشخصي، إنما قصدوا طائفته أساساً، فأرادوا النيل منها دون استثناء.. وهذا لعمري تحيز طائفي مقيت، فالعراقيون -وهذا رأيي -مسؤولون جميعاً عن هذه الهزيمة المُرَّة، وإن عارها لم يتوقف عند جبهة شخص ما، أو عند جباه طائفة معينة، إنما وصم جباهنا جميعاً. ونفس الشيء يفترض أن يكون مع حالات النصر، فـ(ياسمين) الانتصار الطالع في الفلوجة أمس ليس حصراً بالعبادي ، ولا هو حق (لجيشه) فحسب، إنما هو حق للعراقيين جميعاً دون استثناء.. لذا فإن من المعيب أن يسجل النصر باسم الجيش أو الشرطة أو الحشد الشعبي، أو باسم هذه الطائفة أو تلك، إنما يجب أن يسجل باسمنا جميعاً!!

ومثلما حدث في سقوط الموصل، كان قد حدث عند (سقوط) الفلوجة. حيث لم يشر أحد من سياسيي هذا الزمن السخيف الى هروب أفراد شرطة الفلوجة -وهم جميعاً من أبناء المدينة- ولا لوقوفهم المنتظم، والمطيع، والتزامهم (بالسرَّة)، والطابور، أمام (حاجب) الأسلحة، وهم يسلمِّون اسلحتهم للغزاة بطريقة مهينة تنم عن دونية الشرطي الفلوجي وسفالة الغازي الداعشي.. وهذا الأمر ليس تلفيقاً مني، إنما هو فيديو مصور كان قد عرض في الكثير من الشاشات الفضائية!!

إذاً فإن النصر العراقي المتحقق في تكريت وبيجي وديالى والفلوجة والقيارة وجرف الصخر وآمرلي، وغداً الموصل، هو نصر العراقيين جميعاً، رغم أن أغلبه قد تحقق بدماء أبناء الشيعة!!

ونفس الشيء يقال في هزائم الموصل عام 2014 ، وفي انتكاسات الفلوجة وصلاح الدين والحويجة وسنجار وغيرها، فهي هزائم كل العراقيين دون استثناء، لا تحسب على أبناء السنة وحدهم، ولا على أبناء الشيعة فقط، فنحن شركاء في هذا الوطن، قدرنا أن نتقاسم أفراحه وأتراحه، وأن نتحمل مسؤولية خساراته، مثلما نتبادل أنخاب انتصاراته.

لقد استفزني ما نشره البعض من إخوتنا (أبناء السنة) في مواقع التواصل الإجتماعي، وهم يتشفون بما أصاب (الروافض) في الكرادة.. وكأن المصاب قد حلّ بأهل الشيعة دون غيرهم.. فهذا (الشقيق) يغرد في التويتر، ويقول:

(لقد سقط الروافض في تفجير الكرادة سقطة أعتقد أنها تعادل سقطتنا في الفلوجة إن لم تكن أعظم.. وصار جرحهم أكبر من جرحنا …)!!

بينما يغرد كاتب كويتي معروف، قائلاً: لن تقوم للشيعة قائمة بعد (غزوة) الكرادة الدموية.. !!

وأعترف أن هذا الأخ الكويتي قد أوجعني كثيراً بمقاله الساخر، والشامت، والخبيث.. ولولا أني أمسكت بأعصابي، وصبَّرت على نفسي لكنت قد ترحمت على المجرم صدام حسين..!!

لكنّ الله أعانني على غضبي.. فأدرت وجهي، وأنفي عن نفاياته!!

وثمة ألف مقال وتغريدة (وهاتشاك)، وبوست، وعشرات الآلآف من التعليقات والصور والفيديوات، وكلها تحاول بشكل سافر إهانة الشيعة والتشفي بضحايا الكرادة، ظناً من أصحابها بأن جميع هؤلاء الضحايا هم من (الروافض الصفويين).. وأن الكرادة منطقة شيعية مقفلة، يمنع الدخول اليها لغير أبناء الطائفة الشيعية. ولعل المؤلم في الأمر أن كتبة هذه التفاهات لايعلمون أن نسبة الشهداء الشيعة في تفجير الكرادة هي الأقل نسبة بين كل ضحايا هذا العمل الإجرامي قياساً الى عدد أبناء الشيعة في العراق.. وهم لا يعلمون أيضاً أن الدم الذي جرى في الكرادة لم يكن دماً شيعياً وسنياً فقط.. إنما كان دماً مسيحياً وصابئياً، وإيزيدياً.. عربياً وكردياً وتركمانياً وآشورياً، وكأن الله أراد أن يرسم بدم الضحايا صورة للعراق الواحد الموحد!!؟

 

إذاً فإن الخسارة لم تكن شيعية.. والفوز لم يكن سنياً .. إنما الفوز والخسارة كانا عراقيين من الوريد الى الوريد..

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان