فالح حسون الدراجي
لم يحب العراقيون زعيماً من قبل، ولا من بعد، مثلما أحبوا زعيمهم الخالد عبد الكريم قاسم. فهم لم يحبوه فحسب، إنما عشقوه عشقاً أيضاً، حتى أنهم لم يصدقوا، ولم يرضوا بتاتاً بفكرة (مقتله)، رغم أن جوق الإنقلابيين البعثيين عرض صور (إعدامه) على شاشة التلفزيون !! وثمة من يظن أن الزعيم حيٌ يرزق حتى هذه اللحظة، وهو متنكرٌ بزي فارسي، وبلحية طويلة، يطوف في مرقد الإمام الرضا عليه السلام في إيران.. أو أنه يقيم في (موسكو) حسب رواية حجي كاظم، الذي يقول إن المخابرات السوفياتية هرَّبته (بليلة ظلمة) باردة، بعد أن حملته طائرة روسية مقاتلة، وغادرت به من بغداد سرَّاً..
وحسب مدونات ومذكرات وشهادات وإفادات آلآف المؤرخين، والكتاب، والصحفيين، والسياسيين العراقيين -من أعدائه وأصدقائه – ، فإن الجماهير الشعبية في العراق وصلت حد القناعة لفكرة التقديس والعصمة لهذا القائد الوطني الشريف .. وقد ساعد على رسم وبث هذه الصورة لدى الناس، هو يقينهم بنزاهته التي لا تشبهها نزاهة لدى أي زعيم آخر في العصر الحديث. ويكفي عبد الكريم شرفاً أنه اعتذر لشقيقته عن منحها سَبقاً أو أفضلية في الترتيب (السرَّة)، بقوائم تسليم الأراضي التي توزعها الدولة مجاناً على العوائل المتعففة والفقيرة، على الرغم من أن شقيقته تستحق هذه الأسبقية لأسباب عدة، أولها أنها بلا مأوى !!
وقطعاً فإن الناس لم تكن تعشق عبد الكريم قاسم لنزاهته فقط، على الرغم من أهمية هذه الصفة.. إنما لأن في الرجل مزايا لم تتوفر لدى غيره من الزعماء على مر العصور والدهور.. فمثلا أحب والدي رحمه الله الزعيم حباً عظيماً بسبب حبه للفقراء وتعاطفه مع همومهم، حتى أنه أخفى صور الزعيم تحت الأرض لفترة تجاوزت الأربعين عاماً.. ويوم اخرجها بعد سقوط نظام صدام، كان يمسحها بطرف (شماغه) الشريف ويبكي من شدة الفرح والوجد والاحترام. ولكم أن تتخيلوا معي كم من العراقيين النجباء الذين أحبوا الزعيم مثل والدي، وأخفوا صوره لسنوات طويلة خوفاً من بطش البعثيين وسفالتهم !!
وثمة من أحب الزعيم لعراقيته ووسطيته وتسامحه القومي والديني والمذهبي، فالرجل لم يكن متديناً متشدداً.. ولا قومياً متعصباً، كما انه عاش ومات دون أن يعرف أحد هويته المذهبية، حتى يقال انه كان يغلق الباب على نفسه عندما يؤدي الصلاة، كي لايستدل مرافقوه على مذهبه من خلال وضعه في أداء الصلاة .. !!
وعبد الكريم قاسم الذي يتمتع بذكاء خارق، وقدرات شخصية في القيادة والتخطيط والإدارة واللغة – الإنكليزية والعربية – والمحاورة والتفاوض، حيث تاكدت هذه القدرات عبر إدارته الناجحة للمفاوضات مع شركات النفط الأجنبية التي أثمرت عن انبثاق قانون النفط رقم 80 لسنة 1961، الذي استعاد به العراق سيادته على الأراضي التي لم يستثمرها أصحاب الامتياز في التنقيب عن النفط في الأراضي العراقية، فتمت إعادتها دون مقابل الى العراق، إذ يقال إن هذه الأراضي كانت تقدر بحوالي 99% من أراضي البلد.
وعبد الكريم قاسم هو الذي أحدث ثورة في مفاهيم الإصلاح الزراعي في دول العالم الثالث من خلال قانون الاصلاح الزراعي رقم 30 لسنة 1958
الذي صدر بتاريخ 30 ايلول 1958 واعلنه الزعيم بنفسه في بيان تاريخي بعد ايام من نجاح ثورة 14 تموز، ليبين للعالم وللعراقيين قرب نهاية الاقطاع في العراق بتطبيق قانون الاصلاح الزراعي .. وبذلك ابتدأت ثورة تموز اولى خطواتها في سبيل احقاق الحقوق لشريحة الفلاحين التي تمثل في ذلك الزمن حوالي 70 % من اجمالي عدد سكان العراق.
ولم ينس الزعيم الخالد عبد الكريم قاسم المرأة العراقية.. فكان قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 أول قانون يهتم بحقوق المرأة العراقية، وبضمان حريتها.. وقد الّف الزعيم من أجل ذلك لجنة من كبار موظفي وزارة العدل لإعداد لائحة قانون الاحوال الشخصية، لتأتي بأهم احكام القانون المدني، والتي أخذت بها البلاد الاسلامية ، ولها سند في الشريعة الاسلامية، وبما لا تتعارض واحكامها السمحاء..
وللحق فإن هذا القانون يعد حسب اراء المختصين اول تشريع وضعي يخص مسائل الاحوال الشخصية في العراق، ويلقي نظرة متوازنة ومعاصرة فيما يتعلق بحقوق المرأة.. كما يعد من افضل القوانين التي تخص الاحوال الشخصية في البلاد العربية والدول المجاورة.
ونحن نتذكر منجزات عبد الكريم قاسم يتوجب علينا أن نذكر قانون الضمان الاجتماعي رقم 27 لسنة 1960
أي القانون المتعلق بتحقيق مفهوم العدالة الاجتماعية، وبناء صرح اجتماعي شامخ يليق بالعهد الجمهوري. وفيه ضمان اكيد طول حياة العامل، وخاصة عند بلوغة الشيخوخة. وقد شمل هذا القانون العمال والمستخدمين لدى الدوائر الرسمية وشبة الرسمية غير الخاضعين لقانون التقاعد وصناديق الاحتياط، وكذلك عمال ومستخدمي شركات النفط مهما بلغ عددهم واينما وجدوا، اضافة للعمال والمستخدمين في القطاع الخاص . ويمكننا القول إن العراق حقق نجاحاً كبيراً في ميدان الضمان الاجتماعي بين اقطار الشرق الاوسط، رغم حداثة عهده بتطبيق نظام من هذا النوع.
سأكتفي بهذا الحد، ولن أتطرق الى ما حققه الزعيم خلال أربع سنوات وستة أشهر، وهو المنجز الذي لم يحققه ولن يحققه كل من جاء ويجيء بعده.. حتى لو استعان بـ(گرين دايزر) !!

