فالح حسون الدراجي
بعد السقوط المدوِّي لمجلس النواب، وفضيحته التي باتت على كل لسان، بدءاً من رئيس المجلس الهزيل، مروراً ببعض أعضائه وانتهاء بأحد موظفيه الفاعلين. وقبلها كانت (فضائح) الحكومة العراقية التي تتجدد كل يوم.. وبعد أن وصل الحال الى هذا الحال، لم يعد للعراقيين سند ومسند يتكئون عليه سوى الله والقضاء العراقي الذي لا حبل غير حبله يعتصم به هذا الشعب المبتلى بجوقة الفاشلين والخائبين والأميين واللصوص الذين انتحلوا صفة السياسيين، فتمكنوا من حز عنقه، تحت ظروف وعوامل خارجة عن يده.. لذلك بات العراقيون اليوم يرفعون أياديهم الى السماء مبتهلين الى الله عزَّ وجل، أن يبقي لهم هذا القضاء حُراً، نزيهاً، مستقلاً، صامداً بوجه الأعاصير. وكي يظل هذا القضاء بعيداً عن لوثة السياسيين، فقد كان الشعب رقيباً عليه، ومتابعاً لشؤونه، حتى وصل الأمر الى أن يخرج متظاهراً أكثر من مرة في ساحة التحرير، وغيرها، من أجل تصحيح الأخطاء بأداء بعض السلطات القضائية، أو لتعديل بعض الاعوجاج إن حصل في عمل هذا القاضي أو ذاك.. فالمسير طويل والظروف صعبة ومعقدة، والإنسان -أي انسان كان -معرض للخطأ، لكن والحق يقال فقد ظل القضاء العراقي مفخرة من مفاخر شعبنا، وحصناً وطنياً منيعاً على السياسيين، عصياً على البيع والشراء إلاَّ من كان وجوده في هذا الموقع الشريف خللاً، وكان انتسابه له زلة، وامتهانه خطأ شنيعاً ارتكبه البعض في ظروف استثنائية. وقد كان الإعلام الوطني الحر قريباً من القضاء أيضاً، ومكملاً لدور الشعب الرقابي، بحيث أصبح الصحفي، العين الأشد رقابة، والأكثر متابعة لأدائه. فكنا مثلاً في (جريدة الحقيقة) ننتقد بقوة وقسوة أحياناً الأخطاء القضائية المقصودة، ونهجم بشراسة على القاضي الفاسد إن كان ثمة فساد في عمله، وننشر ما يصلنا من المواطنين، فكان هذا الأمر باباً تأتينا منها الريح العتية أكثر من مرة، لكننا لم نغلق هذه الباب رغم كل ما تعرضنا له.. وفي نفس الوقت كنا نشيد بأداء هذا الجهاز الوطني النزيه، ونذكر بالأسماء والمواقف أفعال رجال السلطة القضائية الشجاعة.. ومن هذه الباب المفتوحة مرَّ علينا قبل عام تقريباً أحد الزملاء والأصدقاء الأجلاء الذين يعملون في الحقل القضائي طالباً مني شخصياً أن أكتب مقالة بحق القاضي جاسم محمد عبود رئيس محكمة استئناف بغداد الرصافة الاتحادية بمناسبة تعيينه بهذا المنصب. فاعتذرت له بمودة ولطف، وأنا أتحجج بعدم معرفتي بهذا القاضي المحترم. وهي والله حجة صادقة، وعذر حقيقي، إذ لا يمكن لكاتب مهما كان (جاهزاً) أن يكتب مقالة عن قاضٍ تولى منصبه قبل اسبوع واحد فقط!! لكن صديقي الذي أثق به ثقة عمياء، قال لي مبتسماً:- أنا أعرفه !! قلت له: إذاً اكتب انت عنه!! وانتهى الأمر مع صديقي الى أن قمنا بزيارة مشتركة للقاضي جاسم عبود وقدمنا التهنئة بمناسبة تعيينه. ومنذ عام تقريباً، وأنا أراقب أداء هذا (الرئيس)، وأتابع عمله بعين صحفي، وحرقة عراقي (مظلوم)، وروح تسعى لتحقيق العدالة في المجتمع، وبضمير وطني تقدمي قضى عمره بحثاً عن المساواة بين الناس، دون أن يجدها للأسف.. فكنت أتفحص بعض ما يدخل ويخرج من هذه المؤسسة العدلية الكبيرة والخطيرة، وأتابع مع الكثير من المواطنين الذين مروا من أبواب هذه الدار القضائية، حتى توصلت الى أن القاضي جاسم محمد عبود قاضٍ يستحق أن ينال صفة القاضي العراقي، ويستحق أن يقال عنه كلام طيب، وجميل ووافٍ، فيشار اليه بالبنان والاحترام والتقدير. بل وأن تكتب عنه المقالات، وليس مقالة واحدة مني.. لقد تسلم الرجل شؤون هذه المحكمة في ظل ظروف سياسية، وأمنية، وقضائية، وشعبية صاخبة ومعقدة للغاية.. فالشارع الشعبي كان مضطرباً جداً، وكانت الأمور سيئة تماماً. فضلاً عن أن الرجل تسلم المحكمة بتركة ثقيلة لا يقوى على حملها إلاَّ من كان من طينة خاصة.. فأثبت القاضي جاسم محمد عبود أنه من أبناء هذه الطينة الشريفة الخاصة، فنجح نجاحاً كبيراً كقاض عادل ونزيه أولا، وكرئيس لمحكمة كبيرة هي أكبر مما يتوقع القارئ الكريم.. فمحكمة تصلها كل يوم أطنان من الأوراق والدعاوى والقضايا التي تتوقف عليها مصائر عشرات الآلآف من الناس هي أمر ليس سهلاً توقعه.. وكان على هذا الرئيس قراءة، ومتابعة، وتدقيق جميع هذه الأطنان الورقية يومياً، لأن رقاب الناس، ومصائرهم أمانة في ذمة، وضمير هذا الرجل.. ويوماً بعد يوم تتركز ثقتي، وتتعمق بأداء هذا الرجل، يشاركني هذه الثقة آلاف الناس الذين مروا بقضاياهم على باب هذه المحكمة ووجدوا إنصافاً منها، او الذين تابعوا مثلي أداء هذا القاضي، حتى بات المواطنون يتداولون أخبار نزاهته وعدله، وينقلون الوقائع عنه.. مما جعلني أكتب هذا المقال لأعتذر له، ولصديقي الذي دعاني يوماً لكتابة مقال عن هذا القاضي النزيه. وأشكره على ذلك. لذلك أجد نفسي مطمئناً اليوم الى أن (المتهم) سليم الجبوري، وبقية الجوق الفاسد، سيجدون القصاص العادل على يد القضاء العراقي، سواء على يد هذا القاضي، أو على يد غيره من قضاة العراق الأخيار.

