فالح حسون الدراجي
لم أشعر بالكراهية تجاه أي عراقي مهما اختلفت معه، أو اختلف معي، باستثناء شخصين هما صدام حسين، وولده عدي.. وعدا هذين المجرمَّين، فإني لم أكره عراقياً آخر في كل مراحل حياتي المتعددة. فأنا -رغم اختلافي –الفكري، والسياسي، والعقائدي، والأخلاقي مع ظافر العاني، وأسامة النجيفي، وعدنان الدليمي، وطارق الهاشمي، وبقية العصابة البعثية الطائفية الفاشية، لم أكره أياً منهم في يوم ما، لأني أعتبر أن كل عراقي أخ لي، حتى لو سعى البعض الى قتلي، وقتل أهلي. وقد قلت هذا الكلام في يوم ما للسياسي حيدر الملا، عندما اتصل بي معاتباً، وهو يقول لي: لماذا تكرهني يا فالح؟
فقلت له -وأنا صادق -: ثق إني لا أكرهك. وخلافي معك خلاف سياسي، فكري، عقائدي لا غير.. وأظن انه الرجل صدق بما قلته له ..
ورباط الحچي كما يقول أهلنا في الجنوب، أن العراقي أخٌ للعراقي مهما اختلف معه، ومهما توسع الخلاف بينهما، فهما ينهلان من ثدي الفراتين، ويأكلان من ثمار الرافدين، ويحملان هوية وطنية واحدة، وينحدران من نبع طيب واحد.. وما دماء العراقيين التي سالت وامتزجت في مناسبات وطنية عديدة إلاَّ شاهدة على مصداقية ما أقول..
لذا، فإن كلامي عن ظافر العاني، وجماعته كلام سياسي فحسب..
وما دمنا نعيش جميعا تحت خيمة الوحدة العراقية، فنحن أخوة.. أو هكذا أنظر أنا للآخرين.. وسأضرب لكم مثالاً بسيطاً على ذلك.. فقبل أيام كنت في اولمبياد البرازيل.. وقد كنا مجموعة صغيرة من العراقيين نشجع منتخبنا الكروي المشارك بقوة، دون أن يعرف أحدنا الآخر. ولما انتهت المباراة، واتضحت الصورة، وجدت أن الذي كان يحتضنني كلما ارتقى العزف الكروي العراقي شجناً هو عراقي مسيحي من أهل القوش اسمه لؤي.. وكان الآخر عراقيا مسيحيا يقيم في البرازيل اسمه زياد، والثالث مسيحيا يقيم في أمريكا، اسمه زيد.. وفي الوسط كان يقف أبو سجاد، وعلي، وحسين، وحسام، ومهدي، وهم عراقيون شيعة.. ثم عرفت أن الشخصين اللذين كانا يرفعان معي طرف العلم العراقي الكبير، مواطنان عراقيان (سنيان) يقيمان في استراليا، أحدهما اسمه فخري، والآخر اسمه عمر.. الا تكفي هذه الصورة لكي أحب العراق، وأثق بنقاء العراقيين؟
ولن أنسى ما حييت دموعنا التي انبثقت سوية، ونحن نرى علاء مهاوي يحطم أسطورة نيمار!
وحتى لا أطيل عليكم في رسم الصورة الرومانسية الوردية، دعوني أقول لكم إن الأمور حتى هذه اللحظة كانت (ماشية) كما ينبغي، فنحن عراقيون سواء نختلف أو نتفق أو قد تصل الأمور بيننا الى أن يضرب بعضنا البعض بالكراسي، أو بالكواتم، فنحن عراقيون: (ومرگتنه على زياگنه) كما يقولون !!
هكذا كانت الأمور، وهكذا كان قلبي صافياً نقياً تجاه العراقيين جميعاً، بما فيهم ظافر العاني وعصابته، ولم تتغير مشاعري حتى اللحظة.. لكني -وأعترف بذلك- شعرت بخيبة أمل كبيرة، وصدمة نفسية هائلة، تشقلبت على إثرها الأمور في داخلي، وتدحرجت القناعات في عقلي، حتى سقطت في بحر مظلم، ليتحول كنز البياض في قلبي الى ظلمة دامسة. بعد أن صدمني بيان كتلة ظافر العاني (متحدون)، الصادر يوم الإثنين، والمتعلق بموقفها من قرار وزارة الخارجية العراقية باستبدال السفير السعودي ثامر السبهان، فهذا البيان (العار) أوضح بما لا يقبل الشك أن هذه الجماعة، بما ضمت من سياسيين ونواب، وجماهير، ومصالح، وتحالفات، حاقدة على (الآخر) حد النخاع، ومصرة على كسر العظم مع الطرف الثاني دون أدنى تفكير، أو تراجع.. فقد كسر ظافر العاني وجماعته (متحدون) ببيانهم هذا عصا المواطنة مع العراقيين جميعاً دون استثناء، ونزعوا صورهم من (الجنسية العراقية)، حين أعلنوا انحيازهم الأعمى، واصطفافهم المطلق الى جانب الطائفة، على حساب الشعب، ومع العدو ضد الوطن.. وإلا بربكم من هو السبهان كي ينبري للدفاع عنه العاني وجماعته.. وماذا فعل هذا الرجل من أجل العراق والعراقيين.. وأي إجراءات عملية قام بها لتفعيل العلاقات بين العراق والسعودية.. وهل هناك مسوغ للدفاع عنه غير المسوغ الطائفي الكريه، أو المصلحي النفعي الخياني؟
أنا لا أدافع عن الخارجية العراقية، ولكن حين تكون المقارنة بين وزارة بلادي، وسفير دولة أجنبية (معادية)، بل حتى لو لم تكن معادية، فإني سأختار حتماً الوقوف مع وزارة بلدي..
فهذا الإعلان، أو البيان، سابقة خطيرة لم تحصل من قبل.. وإذا كان ثمة الكثير مثل ظافر العاني يحمل في قلبه مثل هذا الشعور المتداخل بين الوطن والطائفة، ولديه الرغبة في الانغمار حد التلاشي في وحل الطائفية المقيتة، فإنه لم يكن يجرؤ من قبل على إعلان مثل ذلك الشعور، أو إشهار تلك الرغبة، لأنه يعرف مسبقاً الثمن الذي سيدفعه، والخسارة الأخلاقية الفادحة التي ستلحق به. ويقيناً أن هناك الكثير من أشباه ظافر العاني كانوا يستحون من اعلان هذا الشعور، باعتباره أمراً معيباً ومخزياً ..
صحيح أن خلافاتنا كانت واسعة وشرسة معهم، لكنها لم تصل لكسر العظم، خاصة وأنهم لم يصلوا الى درك الخيانة الوطنية، ولا لمستوى النذالة التي وصلوا اليها اليوم.. فالوقوف مع السعودية ضد العراق بهذه الصلافة، خيانة وطنية واخلاقية، وعار ما بعده عار.
لذا، فإني سأتخلى عن بياض قلبي، وأعلن كراهيتي الشديدة لهؤلاء الطائفيين الخونة.. الذين استبدلوا العراق (العظيم) بقزم اسمه ثامر السبهان!!

