فالح حسون الدراجي
بمناسبة اصطفاف البعثيين خلف إياد علاوي في حزب جديد قديم يحمل اسم حزب الوفاق.. أعيد نشر مقال كنت قد نشرته في جريدة الحقيقة قبل ثلاث سنوات في يوم 8 شباط المشؤوم.. والمقال في إعادة نشره لا يحتاج الى ذكاء خارق لمعرفة الهدف، بل والتحذير أيضاً من خطورة البعثيين، وعودتهم للواجهة السياسية بصورة علنية مرة أخرى .
جلال الاوقاتي مفخرة عراقية جديرة بالإهتمام، قتله البعثيون في صبيحة الثامن من شباط الأسود قبل واحد وخمسين عاماً، ولأهمية الرجل فقد جعل الإنقلابيون البعثيون من لحظة اغتياله، ونجاحهم في تصفيته ساعة الصفر للشروع بالإنقلاب.. بمعنى أن استشهاد الاوقاتي هو إشارة الضوء الأخضر للبدء بالإنقلاب.. ولعل الشباب الذين لم تتح لهم الفرصة لمعرفة هذا البطل العراقي، يسألون عن شخصية الرجل، والأسباب التي تدعو للافتخار به.. لذا فإني أجيب عن هذه التساؤلات بالقول إن زعيم الجو (وتعني العميد الطيار) جلال الأوقاتي هو واحد من أفضل الطيارين في الشرق الاوسط.. بل يعد طياراً مميزاً حتى بين صقور الجو الروس والانگليز وكذلك الامريكيين، ولديَ شهادات مسجلة نشرت في سنوات سابقة من طيارين روس، يشيدون فيها بالطيار جلال الأوقاتي، لذلك لم يكن الأمر غريباً حين اختاره الزعيم الشهيد عبدالكريم قاسم، ليكون قائداً للقوة الجوية طيلة فترة حكمه التي امتدت أربع سنوات وسبعة أشهر.. لا سيما وأن الشهيد الأوقاتي كان بارعاً في قيادة جميع أنواع الطائرات الحربية والعسكرية..
ولو لم يكن كذلك لما اختاره البعثيون أول أهدافهم، فهم يعرفون جيداً أن وجوده حياً سيفشل انقلابهم حتى لو خرج عليهم لوحده بطائرته.. بل إن البعثييين الطيارين فهد السعدون ومنذر الونداوي ما كان لهما المشاركة بطائرتيهما لو لم يتأكدا من استشهاد جلال الاوقاتي!!
ولعل السبب الأهم الذي يجعل هذا البطل خالداً في قلوب العراقيين النجباء هو عراقيته الرائعة، تلك العراقية التي جعلته يعتذر للزعيم قاسم عن ضرب أهداف (العصاة) في جبال كردستان، خشية أن يسقط الابرياء ضحايا في هذه الضربات، متحملاً عتب وملامة الزعيم التي تسببت بخلاف لم يكن مخفياً بين قاسم والاوقاتي.. ولعل خروجه من السيارة التي كان يستقلها، والتقدم بعدة أمتار نحو القتلة الذين جاؤوا لاغتياله، بعد أن صرخ فيهم: مردداً فاشست جبناء هو من أجل ان لا تصيب الرصاصات التي ستنطلق نحوه من فوهات الغدارات التي كان يحملها البعثيون القتلة طفله الصغير (علي) الذي كان معه في السيارة.. وهكذا استشهد جلال الاوقاتي ونجا ولده من الموت..
وخلاصة القول إن هذا البطل الذي قتل في صبيحة يوم الثامن من شباط، ونقل الى الطب العدلي في منطقة باب المعظم من قبل شقيقه المرحوم أنور الأوقاتي، كان قد اعتقل أوباش الحرس القومي شقيقه وأخذوا الجثة منه.. والمؤلم أن جثة الشهيد اختفت منذ ذلك اليوم حتى هذه اللحظة.. ما حدا بولده الأستاذ جعفر جلال الاوقاتي الى أن يوجه نداءً إنسانياً الى الدكتور اياد علاوي الذي كان أحد أفراد الحرس القومي في الاعظمية، بل كان مسؤولاً على قاطع الحرس البعثي هناك الى مساعدته في العثور على قبر والده، إذ ربما يتذكر علاوي لو حاول ذلك مكان دفنه، أو ربما يفيدهم بمعلومة تدل على إيجاد قبر الشهيد الأوقاتي!!
لقد أرشدني جعفر الاوقاتي وهو يتحدث في القناة الفضائية العربية عن والده الشهيد، ثم وهو يوجه نداءه الى اياد علاوي الذي كان مسؤولاً في قيادة الحرس القومي البعثي في الاعظمية الى جواب على سؤال كنت أبحث عنه كثيراً، والسؤال كان:
من أين تأتي كل هذه النذالة لبعض السياسيين العراقيين، الآن فقط عرفت المنبع والسر المخفي..

