فالح حسون الدراجي
اليوم تصطف الملايين من العراقيين، وغير العراقيين ، سواء كانوا مسلمين أوغير مسلمين صفاً حراً واحداً، أوله في كربلاء، وآخره في الصين، وأمريكا وأستراليا، وفي أعلى جبال الكون أو في ما بعد البحار البعيدة، كلهم يقفون اليوم والغضب الثوري يزدحم في نفوسهم الحرة الأبية، مرددين نداء الحرية المقدس الذي اطلقه سيد الشهداء أبو عبد الله الحسين عليه الصلاة والسلام قبل أربعة عشر قرناً وهو يواجه مع ثلة من أهله وصحبه الأبرار، دولة الظلم الأموية، بكل شرورها، وطغيانها، وقسوتها، وسطوتها، حيث لم يكن الحسين يملك غير إيمانه الذي لا شريك له، وثقته الكبيرة بالله، والحق، والحرية والعدالة والإنسان.. وأقصد به نداء الدهور الأبدية، والأجيال البشرية المختلفة، المتعطشة لنور الحرية والعدل والكرامة (هيهات منا الذلة) فهو نداء الإنسان العالي ونداء النور الساطع، ونداء الحق. لا يخضع هذا النداء لاشتراطات الدين، وقياساته الثابتة، ولا يتبع لقوانين التقديس، والفرض الطقسي، إنما يخضع لمبدأ واحد: أيها الإنسان كن حراً .. لذلك انتصر الحسين – صاحب نداء هيهات منا الذلة – بسبعين مقاتلاً فقط، نصفهم لم يحمل سيفاً من قبل، بينما هُزم يزيد بن معاوية بجيشه الذي تجاوز السبعين ألفا، رغم أن مقاتليه كانوا جميعاً فرساناً محترفين!!
أما كيف انتصر الحسين بعياله، وصحبه القليلين عدداً وعدة، وهُزم يزيد بجيشه الكبير عدداً وعدة وتدريباً، فهنا تكمن زبدة الموضوع، او ثيمة السؤال كما يقال ويقولون.. وهو برأيي سؤال لا يستحق الإجابة فحسب، إنما يستحق التحليل والإشارة، والدراسة أيضاً. فالبعض الذي قال إن كل نصر يأتي من عند الله، دون أن يمنح الحسين فضلاً وحقاً بهذا النصر، هو صادق فيما قال ولا أظنه أخطأ قط، لأن كل نصر يحققه البشر يأتي من عند الله قولاً وفعلاً، ولكن هل ينصر الله باطلاً على حق؟
حاشا لله أن يقف يوماً مع الباطل ضد الحق!!
إذن فالحسين كان على حق.. وعدوه كان على باطل، لذلك نصر الله الحسين وأتباعه ولم ينصر عدوه، فجعل الله الحسين وأتباعه غرة في ضمير التاريخ، حتى أن الله جل جلاله قد طبعهم في قلوب مئات الملايين من الناس، فأبقاهم خالدين الى الأبد.. بل إن مراقدهم أصبحت أعظم المزارات وأقدسها في الدنيا.. فهل هناك نصر أعظم، وأكبر، وأفخر من هذا النصر المبين؟
ولأن يزيد وأتباعه على باطل، فقد أخزاهم الله في الدنيا والآخرة، وباتوا عاراً على العرب والإسلام، مثلما باتت أنسابهم تهمة مخزية لمن ينتسب لهم، فيتبرأ منها الجميع. ولا أظن أن هناك هزيمة أشد فداحة من هذه الهزيمة !!
ولو جئنا الى البعض الآخر من الناس، أي الذين ينسبون نصر الحسين الى الحسين نفسه، فيقولون إن نصر الحسين قد تحقق من لحظة مغادرته مكة، وقدومه الى العراق، وهو يعلم جيداً أنه وصحبه مقتولون في أرض كربلاء.. رغم اعتراض الكثير من أقاربه، وأصحاب أبيه، وبعض محبي آل بيت الرسول، الذين حاولوا ثنيه، ومنعه من الذهاب الى العراق.. لكن الحسين قرر، وحسم امره.. فالدين لا يستقيم إلا بموتي.. والحق لا يعلو إلاَّ بدمي.. فذهب، وقتل، وانتصر دم الحق الشريف على باطل السيف الأموي.. من هنا باتت صيحة الحسين: هيهات منا الذلة صيحة لكل من يسعى للحرية، ويناضل من أجل الكرامة، ويجاهم من أجل الحق..
واليوم ما احوج العراقيين، وهم محاطون بأسلاك الحقد والكراهية من كل حدب وصوب، والمحتلة أراضيهم من أقذر المخلوقات، وأحط الجيوش المعادية الأجنبية، أقول ما أحوجهم للوقوف خلف صيحة أبي الأحرار الخالدة : هيهات منا الذلة، فيبيدون عصابات داعش الإجرامية، ويكنسون جيش العدوان التركي الصلف، ثم يسحقون اوكار، ومراكز الوهابية السعودية المنتشرة في مختلف مفاصل الدولة العراقية..
نعم، فلا نداء أصلح لنا من نداء كربلاء، ولا صيحة أشرف من صيحة الحسين : هيهات منا الذلة .. فانهضوا أيها الأحرار العراقيين نهضة رجل واحد ..!!

