الإفتتاحية

هكذا رأيت البصرة.. وهكذا رأيت ميسان !!

فالح حسون الدراجي

 

يقول الفرسان العرب:  الفرس بخيَّالها ..

 ويقول العسكر : الوحدة بآمرها.. 

وأنا أقول: المحافظة بمحافظها !!

وتأكيداً على ذلك: ثمة محافظات عراقية نظيفة، أنيقة، رشيقة، نضرة، عامرة بالحياة والنشاط والعمل.. فيها المشاريع (شغالة)، رغم محدودية امكاناتها، وقلة مواردها المالية، كمحافظة كركوك، ومحافظة ميسان، ومحافظة السماوة، ومحافظة كربلاء، وغيرها.

 بينما تجد في المقابل محافظات خاملة، بائسة، متأخرة، شوارعها تبكي على من يديمها، ويجدد لها شبابها.

في حين أن جسورها أشد ألماً على ما وصلت اليه أحوالها من بؤس وحرمان، بعد أن غلف الإهمال جميع مفاصلها، حتى (زنجرت براغيها) من شدة القِدَم. 

وستجد أسواقها خالية من المتبضعين، فلا تسمع غير أصوات الباعة الذين يبحثون عن متبضع يستجيب لنداءاتهم، عسى أن يمر على ما في محلاتهم من بضائع كاسدة، بسبب العوز، والحاجة، والفقر!! 

ومن هذه المحافظات: البصرة العزيزة، أي مدينة البحر، والشعر، والفن، والنخيل، مدينة النفط الذي ينبع من كل مسامة من مساماتها .. الدجاجة التي تبيض ذهباً، كما يصفها الشاعر الفذ كاظم الحجاج.. 

 البصرة، ويعني مدينة المليارات التي يعيش منها وعليها العراق، ويسرق منها لصوص العراق، سواء أكانوا من السادة السياسيين، أو السادة رجال الأعمال، أو السادة رجال الدين!!

 البصرة التي قصدتها أمس لقضاء واجب اجتماعي معين، لم تكن تلك البصرة التي أعرفها من قبل، وأفرح حين أقترب من حدودها النابضة.. فلا أصوات فيها لنوارس شط العرب، بل ولم أجد نورساً واحداً محلقاً في سماء الكورنيش، أو أسمع ضحكة مجلجلة تبث عند التقاء الماء باليابسة، ولاصدى لاصطخاب الموج بحجر الشاطئ، ولا بيتاً شعرياً واحداً يأتي من حنجرة السياب المتعبة بالمرض والسجائر الرخيصة، فأين أجد : (الشمس أجمل في بلادي من سواها.. والظلام .. حتى الظلام هناك أجمل، فهو يحتضن العراق)؟!

لم أشم في البصرة  اليوم عطرا يسرقني من نفسي، ولا صوتاً يدلني على من يقول: (أحيا وأموت عالبصرة)!! ولا زوارق ترفيهية، تحمل هوادج الأعراس الى مبتغاها، فتزفها مياه الشط المكتنز بالفرح منذ أن وجد، وولد الشط. والمشكلة أن نسبة الملوحة في شط العرب قد وصلت اليوم لدرجات مخيفة، ما تسبب بخسائر فادحة لغابات النخيل البصرية، فضلاً عن أن التملح قضى تماماً على مزارع الحناء الشهيرة، التي كان قضاء الفاو -وحتى مدة قريبة –يورد حاجة العراق، ومنطقة الخليج منها..

دعونا من الشعر والغناء والسياب والحناء، وتعالوا معي نبحث عن عمارة  بعشرة طوابق، تشمخ بها مدينة المليارات، نعم أريد من المعنيين بشؤون إدارة البصرة، عمارة جديدة واحدة، ولا أريد ناطحة من ناطحات السحاب.

ومادمت في موضوع الأسئلة، اود أن اسأل المحافظ المحترم، إن كان لديه جسر فخم واحد يتركه لأولاده، وأحفاده مصدراً لفخرهم، وعنواناً للتباهي بأبيهم؟ 

حتى جسر التنومة الذي شيد قبل أربع سنوات، فهو لم يكن من إنجاز المحافظ  ماجد النصراوي، إنما هو من إنجاز المحافظ السابق، ورغم ذلك، فإن هذا الجسر يعد واحداً من أسوأ الجسور في تاريخ العراق.. فهو كما يسميِه أهل البصرة : (الجسر العاوي)!!

أوكي.. اتركوا الجسور، والعمارات، وناطحات السحاب لمدينة دبي، ودلوني على مشروع كبير واحد، يمكن أن يشغل بعض الأيادي العاطلة، ويطعم البطون الجائعة في البصرة الغنية؟!

وعلى من يريد الإجابة عن أسئلتي، أن يبحث أولاً عن محافظ البصرة النصراوي، وأين هو اليوم، والى من ذهب، وعن  من يبحث.. ليأتي لي بعدها بأجوبته !!

لقد ذهلت للحال التي وصلت اليها شوارع واسواق وطرق البصرة، وصعقت بل (ولعبت نفسي) مما رأيت من مزابل ونفايات متراكمة، ومجارٍ مسدودة، ودوائر حكومية بائسة، حتى الأعلام العراقية فوق مبانيها باهتة، وبعضها ممزقة. وبالمقابل، فقد رأيت العمارة، وأي روعة رأيت، ولا أبالغ قط لو قلت بأني رأيت مدينة أشبه ببستان ورد، أو ربما هي مدينة خارجة عن خارطة المدن العراقية.. نعم هكذا والله رأيت شوارعها النظيفة، وأسواقها النشيطة العامرة، ودوائرها الحكومية الفاعلة.. لقد رأيت مسقط رأسي ناحية كميت، وكأنها جنة من الجنان، ورأيت المجر الجميل، ودققت في شركة نفط ميسان المكتنزة بالعطاء، بدءاً من مديرها العام، الى أصغر موظفيها، ورأيت (كورنيشها)  المزدحم بالمطاعم والكازينوهات، والأماسي الثقافية، الإبداعية.. واختصاراً لكل هذا أذكر لكم مثالاً واحداً: سيفتتح بعد اسبوعين محافظ ميسان علي دواي، وبجهود محلية بحتة، الجسر المعلق الفخم، وهو ثاني جسر في العراق، بعد الجسر المعلق المشيَّد عام 1964 في بغداد ..

ألم أقل لكم: الفرس بخيالها؟! .  

قد يهمك أيضاً

استضافة وتصميم: شركة المرام للدعاية والإعلان