فالح حسون الدراجي
يعقد الشيوعيون العراقيون اليوم مؤتمرهم الوطني العاشر في ظل ظروف أمنية وسياسية واقتصادية واجتماعية معقدة جداً.. فمن الناحية السياسية، يمكن لي ولغيري الحديث بما يريد، وما يشاء، عن ارتباك، واضطراب الوضع السياسي، سواء أكان في العراق والمنطقة، أو في عموم العالم. وأجزم أن المتحدث عن هذا الوضع لا يحتاج لأدلة وبراهين ليؤكد (سريالية)، وغرائبية، بل وخطورة هذا الوضع. أما الأوضاع الأمنية التي يعقد في ظلالها الحزب الشيوعي العراقي مؤتمره العاشر فحدث بلا حرج، لأن مثالاً واحداً قد يكفي للدلالة على ذلك.. فالشيوعيون مثلاً عقدوا تأريخياً أكثر من مؤتمر شبه علني، رغم وجود سلطات قمعية وأنظمة دكتاتورية فتاكة، بينما يعقدون اليوم جلسات مؤتمرهم (بشكل سري) -وأنا أتحدث عن جلسات المؤتمر وليس عن حفل الإفتتاح العلني-!! ولولا شجاعة الشيوعيين وحرصهم على تقاليد التنظيم الثابتة، لما عقدوا اليوم مثل هذا المؤتمر المحفوف بالمخاطر الأمنية -الداخلية والخارجية- أما الظروف الإقتصادية، فأمرها أمر مؤلم حتماً، وسأترك الحديث عن التقشف، ونزيف الإحتياط النقدي، والبطالة، والجرائم التي ترتكب بسبب العوز والحاجة.. وقد لا أستطيع أن أضيف شيئاً الى ما قالته إحدى الأمهات العراقيات النجيبات، التي ظهرت قبل أيام في إحدى القنوات الفضائية وهي تبكي وتقول:
لقد سئمنا، وكرهنا الأكل من (مائدة) الحاويات والأزبال.. متى أتناول الطعام أنا وأطفالي على مائدة الكرامة في بيتي مثل كل الناس الآخرين؟!
أما الظروف الإجتماعية الصعبة والقاسية التي يمر بها المجتمع العراقي هذه الأيام، فهي معروفة للجميع.. ويكفي أن (محاكم البلاد سجلت أكثر من 5200 حالة طلاق خلال الشهر الماضي فقط.. وقد جاء هذا الإعلان على لسان القاضي عبد الستار بيرقدار المتحدث الرسمي باسم السلطة القضائية الإتحادية في العراق)!!
وقطعاً فإن هذا الرقم المخيف لحالات الطلاق ناتج عن تردي واختلال الأوضاع الإجتماعية في البلد. إذن فإن الحزب الشيوعي العراقي الذي يعقد اليوم مؤتمره العاشر في مثل هذه الظروف الصعبة، لا أظنه قد عقد مؤتمراً في مثلها من قبل، رغم قسوة وصعوبة أغلب المراحل التي مر بها الحزب.
ولما كانت الظروف الحالية مجتمعة، بهذا الحال الإستثنائي المُر، والأوجاع الإجتماعية تخطت المألوف والمقبول، يتوجب على الحزب الشيوعي العراقي الذي كان نبراساً، ومنارة ضوء للعراقيين طيلة مراحل وجوده في الحياة السياسية أن يتحمل اليوم مسؤولياته التاريخية، لا سيما في نتائج هذا المؤتمر المهم والخطير، فيخرج بقرارات هامة، واضحة، يتوجها بحلول ناجعة، وبرامج ناصعة، ترسم، وتساهم في إنقاذ المجتمع العراقي المتعب والمحطم، فتحضر هذه القرارات الحاسمة بقوة -وبدون أي مبررات -في صياغة الأمان والسلام والعيش الحر الكريم للعراقيين عموماً، وللفقراء الذين ضحى الشيوعيون بالكثير من أعضائه، وقياديه لأجلهم..
ربما يقول البعض أن الظروف الأمنية، والسياسية الحالية، والعلاقات التحاصصية اللعينة لا تسمح للشيوعيين، أن يلعبوا دورهم بحرية تامة، لكن متى سمحت الأنظمة القمعية من قبل، للشيوعيين أن يلعبوا دورهم بحرية، كي يسمح لهم غيرهم اليوم؟
أنا شخصياً، أجد أن أحلى ما بالشيوعيين، عنادهم الباسل، وصلابتهم الفولاذية الفذة في مواجهة الصعاب، فكلما تشتد عليهم الصعاب، كلما يشتد الشيوعيون بسالة ونجاحاً وعناداً.. نعم هكذا هم في الأوقات الصعبة التي تحتاج فيها للصلابة.. فهل سيرسم المؤتمر العاشر، الذي أسميته مؤتمر (النزاهة والنضال)، طريقاً جديداً واضحاً للشبيبة الديمقراطية العراقية، فيعود عليه الشيوعيون الى مواقعهم الحقيقية في صدر الشارع الوطني، أقصد المواقع التي كانوا فيها، وسرقها منهم بعض المشعوذين، والأدعياء، وأصحاب التاريخ المزيف، من أصحاب المسبحات، والمحابس، والملايين المسروقة من أفواه الناس؟

